content top

واحسرتا على المبتعثين من البنات والبنين! | الشيخ عبدالرحمن البراك

عدد القراءات : 129

بسم الله الرحمن الرحيم

واحسرتا على المبتعثين من البنات والبنين!

الشيخ عبدالرحمن البراك

 

     الحمد لله وحده، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وصحبه، أما بعد: فإننا نسمع في هذه الأيام اندفاعا عنيفا بلا حياء من كثير من الجامعات في فرض ابتعاث المعيدين والمعيدات والمحاضرين والمحاضرات، لإكمال دراستهم في الدول الكافرة، وعلى الخصوص الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، ومعلوم أن باب الابتعاث بوجه عام هو من أوسع أبواب التغريب وأخطرها على الأمة، ومن أعظم أسباب التغيير والتأثير على عقائد المبتعثين وأخلاقهم، وإن الدعوة إلى الابتعاث والترغيب فيه ـ فضلا عن فرضه ـ جنايةٌ على الأمة، وعلى المبتعثين أنفسهم، بتعريضهم للفتنة في دينهم في عقائدهم وأخلاقهم، ولم ينج من التورط في هذا الطريق جامعة من جامعات المملكة حتى الإسلامية التي يجب أن يكون لها خصوصية وتميُّزٌ عن غيرها، لا أن تدخل السباق إلى موارد الغرب الآسنة، وتزج بشباب  الأمة بنين وبنات في المجتمعات التي لا وزن للطهر والعفاف فيها، تلك المجتمعات البائسة الفاقدة لأسباب الشرف والفضيلة، الضالة عن هدى الله، فهم في غيهم يعمهون، وفي ريبهم يترددون.

هذا؛ ومن الذلة والحسرة أن يجلس هؤلاء الشباب المبتعثون بين يدي أساتذتهم الذين هم أعداء لهم ولأمتهم وملتهم من طوائف الكفر؛ من اليهود والنصارى والملحدين، يجلسون بين أيديهم تلاميذ، معظِّمين لهم مبجِّلين، شأنَ التلميذ مع أستاذه، وأقل أحوالهم أن يتلطفوا معهم، ويظهروا الإعجاب بهم؛ لأن مستقبلهم إذا عادوا إلى بلادهم مرتبطٌ بتقارير أولئك الأساتذة عنهم، وتقدير نتائجهم، وهنالك تضمحلُّ عقيدة البراء من الكافرين، أو تضعف كثيرا، وياويل الطالب إن أظهر الاعتزاز بالإسلام، وأعلن أنه وحده الدين الحق، وإن بدا منه شيء من ذلك فسيخسر الصفقة، ويعود بلا نتيجة مشرفة عند الذين ابتعثوه ليأتي بشهادة، وسيكون من الصنف غير المرغوب فيه.

    ومن أسباب حسرة الأمة وحسرة المبتعثين الجادين أن معظم التخصصات العلمية التي يُمَكَّن منها المبتعثون ليست من التخصصات النادرة التي يكون لها أثر في تقدم أمتهم تقنيا؛ فإن هذا النوع من التخصص لا يُمَكَّن منه أحد من المبتعثين، اللهم إلا من طمع فيه أولئك الأعداء أن يكون في بلاده عميلا لهم، وصادقا في ولائهم. فيالله ما أعظم مصيبة الأمة في شبابها الذين هم جيل مستقبلها، إذا عادوا وقد تربوا على عين أعدائهم، وعاشوا سنوات أو سنين في تلك المجتمعات، وهم مبهورون من مظاهر الحياة عندهم، إذا وازنوا بينها وبين مظاهر الحياة في بلاد المسلمين، فلسان حالهم أو مقالهم يقول: ياليت بلادنا تكون مثلهم، أو ليتنا لا نفارقهم، وهم في ذلك غير مبصرين لعيوب تلك المجتمعات السلوكية والاجتماعية والفكرية، وعيوب حضارتهم المادية، ولو أبصروها بعين العقل لأدركوا أنهم في غاية الانحطاط في العقائد والتصورات وفي السلوك والأخلاق، وأدركوا صدق ما وصف الله به الكافرين في مثل قوله تعالى: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (6) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ)، وقوله: (أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ)، وقوله عز وجل: (أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا)، أَوَ ليست تلك الأمم الكافرة الضالة لا تعرف مبدأ ولا معادا، ولا تعرف ما خلقت له، وليس لها غاية في هذه الحياة إلا المتاع بالأكل والشرب والجنس، حتى بلغ الأمر بهم أن شرعوا الزواج بالمثل، وهذا غاية السقوط البهيمي. أما طواغيتهم من الساسة فغايتهم الشهرة والتسلط بظلم الأمم الضعيفة وانتهاب خيراتها، وإشعال الحروب والفتن بينهم.

   على أننا لا ننكر أن في المبتعثين ذوي عقول وبصيرة وإيمان وتقوى، يذهبون ويعودون وهم كارهون لتلك المجتمعات، ولكنهم اضطروا لهذه الرحلة فنفوسهم الكبيرة تأبى الخنوع لأحد من أولئك المستكبرين، فهم لا يستخفُون بانتسابهم إلى الإسلام، ولا يجاملون على حساب دينهم، وهم مع ذلك جادون في دراستهم التي ارتبطوا بها، يعدون الليالي والأيام ليعودوا، وفي مدة مقامهم يقومون بالنصح لزملائهم المبتعثين، ويرشدونهم ويحذرونهم، وكذلك يجعلون الدعوة إلى الله والتعريف بالإسلام أعظم مهماتهم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم، فنسأل الله أن يثبتنا وإياهم على الحق، ويزيدهم إيمانا وبصيرة في الدين، وأن ينفع به، وأن يكثرهم ويحفظهم من شرور أعدائهم.

   هذا عن الشباب الأبناء، أما البنات فالحديث عن ابتعاثهن لونٌ آخر؛ لأن ابتعاثهن للدراسة ما كان يخطر ببال العلماء والعقلاء وأهل الغيرة في هذه البلاد! ومعلوم أن الذين أفتوا من العلماء بتحريم ابتعاث الطلاب إلا في الضرورة القصوى، لو عرض عليهم ابتعاث البنات لأفتوا بتحريمه دون استثناء؛ لما هو معلوم من حال المرأة من حيث ضعفها والطمع فيها، وسرعة تأثرها، وقوة تأثيرها في إفساد المجتمع إذا فسدت، لذلك كانت المرأة هي الأداة المثلى في يد المحتل لتغيير المجتمعات الإسلامية وتغريبها. إذن فمشروع ابتعاث المعيدات والمحاضرات أعظم جناية عليهن وعلى الأمة، يحمل وزره الذين أشاروا به، أو قرروه وأقروه، وأكبرهم جناية أولياء أمورهن الذين رضوا ووافقوا على ابتعاثهن، ولا ريب أن الذي يرضى بسفر ابنته أو أخته لتقيم سنين في المجتمعات الفاسدة اعتقاديا وأخلاقيا، ومع الزملاء والزميلات من الكفار والكافرات، لا ريب أن الذي يرضى بذلك فاقدٌ للغيره، وغاية ما يفعله بعض الأولياء من أجل المحافظة أن يرافقها في السفر، ثم يعود أدراجه، تاركا لعرضه للضياع هناك, هذا؛ ولو بقي معها لم يغن كثيرا؛ لأنه لا يمكن ارتباطه بها في غالب الأوقات.

   وبعد؛ فإن الجامعة التي اشتهر عنها فرض الابتعاث على جميع المعيدات هي جامعة الأميرة نورة، وقد امتنع من الابتعاث طائفة منهن، واتصل بي بعض أولياء أمورهن، يشكو من فرض الابتعاث عليهن، ويطلب الاتصال بالمسؤولين في هذا الشأن، فإعذارا نقول: اتقوا الله أيها المسؤولون فإنكم بين يدي الله موقوفون ومسؤولون، وقد سبقت مني إليكم رسالة نشرت في تاريخ 22 ذي القعدة 1433ه، (ابتعاث البنات، أيكون المنكر فريضة؟!) وهذا نصها:

          ((أيها القائمون على التعليم العالي من الوزير ومن بعده من مديري الجامعات وغيرهم ممن له أثر في أمر ابتعاث البنات؛ نقول لكم: اتقوا الله في بنات المسلمين في هذه البلاد الطيبة المتميزة على سائر البلاد، اتقوا الله أن تعرضوهن للفتنة في دينهن وأعراضهن برميهن في أحضان الكفار والكافرات، ومن العجب أن يفرض هذا المنكر على بنات المسلمين فرضاً، وحاشا خادم الحرمين أن يرضى بإجبار من لا ترغب في الابتعاث، اتقوا الله فأنتم المتحملون لوزر فرض الابتعاث عليهن، وحيهلا بالأخوات الصالحات الرافضات للابتعاث في جامعة الأميرة نورة وغيرها، إن هذا الموقف منكن مشاركة في نصر دين الله في هذه البلاد، فاللهَ اللهَ في الثبات والصمود واتحاد الرأي والكلمة، ولو أدى ذلك إلى فصلكن، ولئن فعلوا ذلك لكان فضيحة عليهم، ووسام شرف لكن، وسيسجل ذلك التاريخ لكن وعليهن، ثبتكن الله، وأكثر من أمثالكن. والله يتولى الصالحين))أهـ.           

    هذا وفي أثناء كتابة هذا البيان نشرت صحيفة الجزيرة في يوم السبت 5/6/1435ه صورة شائنة لاحتفال المبتعثين والمبتعثات في بريطانيا بتخرجهم، وأظهرت الصورة الخريجات وهن في المسيرة سافرات بكامل زينتهن، بحضور عدد من المسؤولين، فيالله! لقد عظم البلاء! واشتدت المحنة! واستفحل مشروع التغريب! فإلى المشتكى، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

 

أملاه

عبد الرحمن بن ناصر البراك

6 جمادى الآخرة 1435هـ

إقرأ المزيد

أعلى اللذات التي يتصورها العقل | للشيخ الطنطاوي | فيديو

عدد القراءات : 131

إقرأ المزيد

جناح الذل | الشيخ ابراهيم السكران

عدد القراءات : 122

جناح الذل

الشيخ ابراهيم السكران

الحمد لله وبعد،،

كثيرة هي العبارات التي تمر بالمرء في حياته قراءةً أو سماعاً، بعضها يفقده الذهن ويتشرد  من الذاكرة فور مروره عليها ..

بعض الكلمات كأنها زائر دخل بالخطأ واعتذر أنه يريد السلام ويمضي فقط..

وبعض الكلمات تحفر حروفها في الذهن .. بل لربما مضى الزمن وقد ترعرعت حولها ذرية من العبارات المتولدة عنها..

هل للعبارات تاريخ صلاحية؟ أم أن أذهاننا كولونيالية، تؤوي وتقمع تطرد، دون قوانين واضحة؟

وثمة كلمة في كتاب الله مرت بي ولأول وهلة سمعتها وهي تحمل سؤالاً في نفسها ..

وهي استعارة قرآنية خلبت اهتمامي .. ومكثت أفكر فيها زمناً:

ما مراد الله سبحانه بهذا التركيب؟

 وماذا أراد الله أن يوحي من المعاني من جزء العبارة الأول لجزء العبارة الثاني؟

هذه الاستعارة القرآنية هي التي اخترت أن تكون عنوان هذه الرسالة التي أكتبها إليك .. وهي قول الله (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ)[الإسراء:24].

نحن نعرف أن (الجناح) جزء حسي في الطيور ركّبه الله فيها تخفق به وتتنقل.. ونرفع رؤوسنا في ميادين السماء فنرى هذه الطيور تميل بأجنحتها.. فتنشرها وتصفق بها.. بل هذه الصورة ذاتها ذكرها القرآن في موضع آخر (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ)[الملك:19] 

فوصف الله في هذه الآية أجنحة الطير وهي فوقنا في السماء إذ تبسط أجنحتها تارة فتصفّها.. وإذا تضرب بأجنحتها جنوبها تارةً أخرى فتقبضها..

ويدلك على عظمة هذا المشهد من مشاهد حركة أجنحة الطير أن الله ذكره أيضاً في موضع آخر من القرآن فقال الله (وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ)[النور:41]

وأشار الله لهذا المشهد بصورة مجملة في موضع آخر فقال سبحانه (أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ)[النحل:79].

 

حسناً .. هذا مشهد من مشاهد جناح الطير في كتاب الله.. وهو لا يخفى على القارئ.. لكن السؤال الذي كان يقرع ذهني بصورة مستمرة هو السؤال التالي:

لماذا أضاف الله هذا (الجناح) الحسي المعروف، إلى (الذل) الذي هو سلوك أخلاقي وجزء منه شعور معنوي؟

ما مغزى هذه الاستعارة؟ وماذا يريد الله سبحانه بهذا التركيب اللغوي؟

ولنجعل التساؤل أكثر تحديداً: ما هي الدلالة المتطلب إيحاؤها من لفظ الجناح بما يخدم مفهوم الذل؟

هذا السؤال تأملته كثيراً .. ومازالت تتكشّف لي فيه دلالات فسيحة الأرجاء ..

ثم لما تتبعت تأملات البلاغيين والمفسرين في هذه الاستعارة القرآنية استحوذت علي الدهشة من تفاوتهم في استكشاف العلاقة بين الجناح والذل.. ورأيتهم داروا حول أربع علاقات..

ومن أول من رأيته من أهل العلم طرح تحليلاً لمكونات هذه الاستعارة وتفسير العلاقة بين الجناح والذل هو العلامة القفال الشاشي الكبير (ت365هـ)، والقفال الشاشي رحمه الله طرح وجهين للعلاقة بين الجناح والذل:

فأما الوجه الأول فهو أنه لما كان الطائر ينشر جناحه ويرفعه إذا أراد التحليق والصعود، ويخفض جناحه إذا أراد الهبوط والنزول، فناسب أن يصوّر التذلل للوالدين بأنه كأنه خفض جناح من الطأطأة والخضوع.

وأما الوجه الثاني فجوهره أن الطائر يحنو على فراخه فيلفّهم بجناحه ويسبله عليهم تعطّفاً وشفقة، فناسب أن يصوّر التذلل للوالدين والرحمة بهم كأنه خفض جناح الطائر على فراخه.

كما يقول القفال:

(في تقريره وجهان: الأول: أن الطائر إذا أراد ضم فرخه إليه للتربية خفض له جناحه، ولهذا السبب صار خفض الجناح كناية عن حسن التربية، فكأنه قال للولد اكفل والديك بأن تضمهما إلى نفسك كما فعلا ذلك بك حال صغرك. والثاني: أن الطائر إذا أراد الطيران والارتفاع نشر جناحه، وإذا أراد ترك الطيران وترك الارتفاع خفض جناحه؛ فصار خفض الجناح كناية عن فعل التواضع من هذا الوجه)[تفسير الرازي (20/192)، تفسير أبي حيان (6/25)، تفسير ابن عادل (12/259)].

 

هذان هما الوجهان اللذان طرحهما القفّال الشاشي رحمه الله في تفسيره، إلا أن تفسيره هذا مفقود، ولم يقع بأيدينا، ردّه الله على أمة محمد، ونحن ننقل عنه هذه المعلومة السابقة بالواسطة، من خلال ما يقتبسه المفسرون عنه.

وكثيراً ما يمر بالقارئ في كتب التفسير قولهم “قال القفال”، وهذا الذي يرد في كتب التفسير هو القفال الشاشي الكبير، وأما إذا قيل “قال القفال” في كتب الفقه الشافعي الوسيط كالنهاية والوسيط والمهذب ونحوها فالمقصود به القفال المروزي الصغير (ت417هـ)، وهو نجم الطريقة الخراسانية في الفقه الشافعي، وكلاهما شافعيان، وكلاهما يكنى أبو بكر، ومن هنا ينشأ الخلط بينهما، ونبّه على هذا الفرق بين القفّالَيْن أبو زكريا النووي رحمه الله [تهذيب الأسماء للنووي(442)].

 وقد رأيت أطروحات أكاديمية في جمع تفسير القفال الشاشي الكبير من خلال النقولات المتناثرة عنه في كتب التفسير.

وفي القرن السابع رأيت الأديب ضياء الدين ابن الأثير (ت637هـ) يطرح تحليلاً ثالثاً للعلاقة بين الجناح والذل، ففي كتابه “المثل السائر” اعتبر أن الطائر إذا أدركه الإعياء والوهن خفض جناحه، فصوّر التذلل للوالدين بهذه الصورة، كما يقول ابن الأثير:

(فإن الجناح للذل مناسب، وذاك أن الطائر إذا وهن أو تعب بسط جناحه، وخفضه وألقى نفسه على الأرض)[المثل السائر:2/153].

 وبصراحة فإن هذا الكتاب لابن الأثير ثري بتحليلات تطبيقية بلغة في غاية العذوبة لكيفية صناعة الجمال البياني.

وأما العالم المتفنن الشهاب الخفاجي (ت1069هـ) فقد أشار إلى وجه رابع، وهو أنه لما كان الطائر يحلق ويطير شامخاً، فإذا فاجأه الجارح والبازي شلّه الذعر وأعياه الطيران ولصق بالأرض وخفض جناحيه كالمطرق الذليل، فناسب أن يصوّر التذلل للوالدين كأنه خفض جناح الطائر المستسلم المطرق، كما يقول الشهاب:

(وأيضاً: هو إذا رأى جارحاً يخافه لصق بالأرض، وألصق جناحيه، وهي غاية خوفه وتذلله)[حاشية الشهاب:6/24]

هذه أربع استكشافات لمغزى الاستعارة القرآنية (جناح الذل).. ذكر اثنتين منها القفال الشاشي وذكر الأخريين الضياء ابن الأثير والشهاب الخفاجي ..وثلاثتهم في علوم العربية بمنزلة الغُرر والحجول.

وحينما اطلعت أول مرة على هذه التحليلات الأربع لوجه الصلة بين الجناح والذل في هذه الاستعارة القرآنية مكثت زمناً تداهمني المقارنة بينها كلما ارتطمت بموقف تسح فيه الكهولة عبراتها على موقف عقوق..

حينما أرى شاباً عليه سيماء الاستقامة لكنه يجادل والده بمنطق الند ويستظهر عليه الحجة تحاصرني مجدداً هذه الوجوه الأربعة في هذه الاستعارة القرآنية ..

 حتى ربما خرجت من عالم الموقف المحيط بي وسرحت في  عالم التأملات..

وأبقى أردد في ذهني:

 هل هذا خفض جناح الذل كما يخفض الطير جناحه للهبوط؟

هل هذا خفض جناح الذل كما يسبل الطير جناحه لفراخه حنواً عليهم؟

أهذا خفض الجناح كما يخفض الطير جناحه من الوهن؟

هل هذا الإطراق الذي يريده الله أمام الوالدين كما يطرق الطير استسلاماً أمام البازي؟

وهكذا أعيد قراءة المشهد على ضوء كل التحليلات البلاغية التي طالعتها لآية (واخفض لهما جناح الذل)..

هل كنت أتفطّر من الفارق بين البر الشاهق في الآية وبين منحدرات العقوق في حياتنا الاجتماعية؟

أم تراني كنت أقارن بين هذه التحليلات أبحث عن الراجح منها على ضوء الواقع؟

أم تراني كنت أبحث عن أكبر قدر من التحليلات البيانية تجوب أقصى ما يمكن من الجغرافيا الدلالية لهذه الاستعارة التي خلبت اهتمامي؟

لم يقف إبهار هذه الآية لي عند هذا الأفق .. بل تكشّفت لي فيها أفلاك معنوية جديدة أيضاً..

فقد ذكر أصحاب علم القراءات أن كلمة “الذل” في هذه الآية أنزلها الله بقراءتين .. بضم الذال “الذُّل” وهي القراءة المشهورة التي نقرأ بها .. ولكن ثمة قراءة أخرى لعلها أشد دلالة على التذلل منها وهي قراءة كسر الذال “الذِّل” .. وما الفرق بينهما؟

يقول ابو الفتح ابن جني أثناء توجيهه القراءتين:

(ومن ذلك قراءة ابن عباس وعروة بن الزبير في جماعة غيرهما “جناح الذِّل”، قال أبو الفتح: “الذِّل” في الدابة ضد الصعوبة، و”الذُّل” للإنسان وهو ضد العز، وكأنهم اختاروا للفصل بينهما الضمة للإنسان والكسرة للدابة) [المحتسب لابن جني: 2/18].

فانظر بالله عليك في هذه القراءة الأخرى التي بالكسر كيف أراد الله فيها أن نكون في التذلل للوالدين كما تكون الدابة ذليلة منقادة مستكينة مطاوعة لراعيها..

فإذا ضممت الإيحاءات البلاغية لكلمة (خفض الجناح) وأضفتها لـ(الذِّل) بالكسر الذي يكون للدابة.. انفتحت لمتدبر القرآن أقصى ما يمكن من معاني الإذعان .. وأن يكون الابن هش العنان لأبويه..

ولست في حاجة للتذكير أن الاتجاه من أهل العلم الذي ينكر المجاز له مسار مختلف في قراءة هذا التركيب وأنهم يحملون الجناح على الحقيقة، ولهم كلام خاص في خصوص هذه الآية[انظر:فتاوى ابن تيمية (20/465) مختصر الصواعق لابن القيم (242) منع جواز المجاز للشنقيطي (30)].

كنت مرةً أراجع بعض مسائل (فقه الحسبة)، وأحكام (النهي عن المنكر)، ووجدت بعض أهل العلم استشكل مسألة وقوع الأب في المنكر، وهل ينكر عليه ابنه؟ ومنشأ الإشكال أن النفوس تشعر بأن من ينهاها عن المنكر أنه إنما يخاطبها بفوقية..

فالإمام أحمد نقل عنه ابن مفلح في الآداب الشرعية في الفصل المعقود لهذه المسألة أنه قال “ليس الأب كالأجنبي”، والغزالي في كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الإحياء قسّم الحسبة لخمس مراتب، وجعل اثنتان منها تليق من الإبن للوالد وهما مرتبة التعريف ومرتبة الوعظ اللطيف، والبقية لا تليق، وذكر السنامي الحنفي (ت743هـ) في كتابه “نصاب الاحتساب” اعتبارات أخرى..

مررت بهذه المعالجات .. وكنت أتأمل الراجح فيها .. ولكنني بكل صراحة لم أستطع أن تجاوز عبارةً لإمام دار الهجرة مالك بن أنس رحمه الله .. حيث علّق على هذه المسألة تعليقاً بديعاً لم ينسَ فيه تلك الاستعارة التي أذهلتني .. يقول القرافي:

(المسألة الأولى:أن الوالدين يُأمران بالمعروف ويُنهيان عن المنكر، قال مالك: ويخفض لهما في ذلك جناح الذل من الرحمة)[الفروق للقرافي: ف 270].

حين قرأت تعقيب الإمام مالك في هذا الجواب، شعرت أنه أجاب بمشروعية النهي عن المنكر إذا وقع فيه الأب، لكن الإمام مالك تذكر هذه الآية العظيمة، ولم تغب عن ذهنه هذه الاستعارة التي تضمنتها والتي تهز قلب المؤمن، فعقّب فوراً بتهذيب أسلوب الإنكار، وقال ” ويخفض لهما في ذلك جناح الذل”..

بل سأكاشف القارئ أنني حين قرأت تعقيب الإمام مالك هذا قلت في نفسي: هل ياترى كان مالك يفكر كثيراً في هذه الاستعارة القرآنية؟ هل كان مندهشاً من جلالة جماليات البر فيها؟

بل إنني كنت أقنع نفسي وأقول مؤكد أن الإمام مالك ما استحضر هذه الاستعارة البلاغية القرآنية في ثنايا نقاش فقهي دقيق إلا أنه كان مبهوراً بإيحاءاتها الدلالية .. لابد أن مالك كان يتساءل عن مغزى العلاقة بين (خفض الجناح) و (الذل).. وهكذا كنت أبحث عن شرعية تفكير ..

ولا يقتصر استحضار السلف لنصوص التذلل للأبوين في ثنايا الفتاوى الفقهية .. بل إن أئمة السلف كان يدققون في سلوكيات البر بسمو استثنائي ..

في واحدة من أعجب القصص التي مرت بي أن التابعي الجليل ميمون بن مهران الذي روى عن أبي هريرة وعائشة وغيرهم، رزقه الله بابن عالم، وهو الحافظ عمرو بن ميمون بن مهران (ت145هـ)، وهو من رجال الصحيحين، وكان هذا الابن باراً بأبيه، وقد جاء في ترجمته:

(قال الحلبي: حدثني عمرو بن ميمون بن مهران، قال: خرجت بأبي أقوده في بعض سكك البصرة، فمررت بجدول، فلم يستطع الشيخ يتخطاه، فاضطجعت له، فمر على ظهري)[تاريخ دمشق لابن عساكر:61/352].

 

فانظر إلى هذه الصورة الرفيعة من خفض جناح الذل .. فحين جاء الأب الذي أرعدت السنون مشيته فما عاد يقوى أن يعبر جدول ماء .. تحول الابن إلى جسر يغمر نفسه في الطمي كي يخطو والده فوقه بقدميه..

يا الله .. عليك رحمات ربي يا عمرو بن ميمون .. أكنت محظوظاً أن لم تر شاباً يستكثر أن يدفع عربة والده المُقعد تحت سياط الظهيرة أمام مبنى الجوازات؟!

يا شيخنا عمرو بن ميمون .. أكانت فطرتك ندية فلم يعكرها خبر شاب يستثقل مرافقة والده في مستشفى .. ينظر لوالده المغطى نصفه والمكشوف نصفه الآخر لأنابيب الحياة.. ويسارق النظر لرسائل أصحابه في الجوال تستحثه للنزهة وتراوده بصور ربيعية ..  فيتكلف الأعذار ليركب الريح مع أصحابه في مسامرات الضياع؟!

إيهٍ .. يا عمرو بن ميمون .. اضطجعت في جدول الماء فوق الطين ووالدك يدوسك بقدميه ليعبر الجدول .. أكنت يا عمرو بن ميمون أحد أنواع البلاغة البشرية التي يتحدث عنها قول الله (واخفض لهما جناح الذل)؟

ومن أغبى الأوهام المنتشرة اليوم توهم أن “بر الوالدين” مربوط بكمية الخدمات الحسية المادية.. واحرقتاه من هذا الوهم.. يبدو أن عصر الماديات لا ينتج إلا تصورات مادية..!

لا .. بر الوالدين ليس مقصوراً على الخدمات المادية .. بر الوالدين هو “خفض جناح الذل” لهما قبل كل شيء.. البر المعنوي يفوق قيمة البر المادي بقدر ما تفوق الوجاهة قيمة الخبزة.. ألا ترى الرجل الحر يتضور جوعاً وينشلّ لسانه قبل أن يكتب معروض استجداء؟!

ألا ترى الحرة تجوع ولا تأكل بثدييها ..

إنها القيم المعنوية التي قال عنها دنقل يوماً “هي أشياء لا تشترى” ..

هذه النفحات المعنوية ليست إلا بعض أنفاس بيانية من دلالات “واخفض لهما جناح الذل”..

الإمام الحافظ عبد الله بن عون (ت151هـ) من كبار أتباع التابعين، فقد أدرك طبقة من تأخرت وفاتهم من الصحابة لكن لم يسمع منهم، وهو إمام أهل البصرة في زمانه، وشيخ الأئمة المشاهير الكبار كشعبة بن الحجاج وعبد الله بن المبارك.

وبالنسبة لي فمن أكثر المواضع التي كانت تبهرني في منزلة ابن عون أن الإمام مسلم في مقدمته الشهيرة لصحيحه لما ذكر ” أئمة السلف ممن يستعمل الأخبار، ويتفقد صحة الأسانيد وسقمها”، ثم أراد التمثيل لذلك، ذكر ستة نماذج من أئمة الحديث، كان أحدهم ابن عون! ومن له صلة بعلوم السنة يدرك دلالات هذا التمثيل ..

والمراد أن الحافظ عبد الله بن عون هذا ممن امتزج بروحه دلالات قول الله “واخفض لهما جناح الذل” .. ووقف على دقائق تجليات هذه الآية بحساسية شريفة .. حيث لاحظ رحمه الله أن مما يدخل في خفض جناح الذل للوالدين “مراعاة مستوى الصوت” !

وهذه هي القيم المعنوية الراقية لمعنى بر الوالدين حقاً ..

فقد جاء في ترجمته رحمه الله: (عن عبدالله بن عون: أنه نادته أمه فأجابها، فعلا صوتُه صوتَها؛ فأعتق رقبتين)[الحلية لأبي نعيم:2/318]

لعلك تتذكر الآن أن الله في كتابه جعل عتق الرقبة من الكفارات في المناهي العظيمة، كقتل الخطأ والظّهار والوطء في نهار رمضان ونحوها، فانظر كيف لما صار صوت ابن عون أعلى من صوت أمه .. وهو إنما رفع صوته ليستجيب لندائها فقط .. ولم يكن رفع صوته جدالاً أو معارضةً .. ومع ذلك حاسب هذا الإمام العظيم نفسه.. وكفّر عن أمرٍ لا يعده أكثر الناس إلا سلوكاً طبيعياً .. ومع ذلك كله أعتق هذا الإمام رقبتين تكفيراً عن هذا العمل !

واغوثاه .. من شابٍ يصرخ من غرفته في الدور الثاني على والدته مستبطئاً غداءه! ويتذرع بأنه مرهق ومتعب “وما هو مروِّق”!

كيف لا تتفطر الأكباد من شابٍ يتفنن في قرع أبواق سيارته يستعجل والدته الخروج من المنزل ليذهب بها لمشوار طلبته! وترى الوالدة المسكينة تتقافز تجمع أغراضها مشوشة الذهن تحت ضغط منبهات سيارته!

وابن عون يعتق رقبتين لأن صوته أرفع من صوتها وهو يستجيب لندائها! أي فارق فلكي بيننا وبين القوم؟!

وجاء هذا المعنى أيضاً عن التابعي الجليل محمد بن سيرين (ت110هـ) .. حيث كان يطبق مفهوم “خفض جناح الذل” في مخاطبة والدته .. فكان (إذا كلم أمه كلمها كالمصغي إليها بالشيء) و(إذا كان عند أمه، ورآه رجل لا يعرفه، ظن أن به مرضاً من خفضه كلامه عندها)[تاريخ دمشق لابن عساكر:53/216-217].

ومن تجليات “خفض جناح الذل” كمال الأدب في طريقة النظر للوالدين .. وخضوع العيون للعيون .. وهذا من عيون تفسيرات السلف لهذه الاستعارة القرآنية .. فقد روي عن عطاء وعروة من ضمن تفسيرهم لهذه الآية أنهما قالا “ولا تحدّ بصرك إليهما، إجلالاً وتعظيما” خرّجه ابن أبي حاتم وغيره عنهما.

وجاء هذا المعنى عن عائشة مرفوعاً (ما بر أباه من حدّ إليه الطرف) لكنه معلول بصالح بن موسى.

وقد أشار المناوي إشارة بديعة لهذا المستوى من بر الوالدين بنمط نظر العيون للعيون.. إذ يقول المناوي في فيض القدير (العقوق كما يكون بالقول والفعل؛ يكون بمجرد اللّحظ المُشعِر بالغضب)[فيض القدير للمناوي:5/551].

 وهو داخل في عموم آية خفض جناح الذل .. لأن النظر شزراً ليس إلا دخاناً خارجياً للهيب استعلاء يمور في الباطن..

أي مسافة تربطنا بقوم يدققون في مجرد الخشونة البصرية للوالدين .. وفينا من يتفنن في مقطوعات التذمر لوالدته لأنه فتح دولابه ولم يجد ملابسه قد غسلت وكويت في التوقيت المطلوب!

وهذه المشاهد المبهرة لأئمة السلف في فهم دقائق الآفاق الدلالية لخفض جناح الذل مرتبطة ارتباطاً مباشراً بعمق علم السلف بمنازل العبادات التي يحبّها الله .. وقد كان للإمام التابعي الجليل محمد بن المنكدر شقيقٌ اسمه عمر بن المنكدر .. ومحمد اشتهر بالعلم والرواية فقد روى عن أبي هريرة وعائشة وابن عباس وغيرهم، بينما اشتهر عمر بالعبادة والتنسك وغلبت عليه.. وروى الإمام ابن سعد في طبقاته بإسناده قال:

(قال محمد بن المنكدر: بات عمر يصلي، وبت أغْمِزُ رجلي أمي، وما أحب أن ليلتي بليلته)[طبقات ابن سعد:5/358]

هذا هو الفقه الدقيق في مراتب الأعمال .. فقد بقي الإمام ابن المنكدر عامة ليله يدلّك رجلي أمه .. ويخفف إعياءها ..ويطيب خاطرها .. ويؤانس وحدتها .. ويتقرب إلى الله بذلك .. وأخوه عمر صافٌ قدميه بين يدي الله يصلي الليل .. ومع ذلك ما ترك محمد ابن المنكدر رجلي أمه بل صرح أنه يعتقد أن بر الوالدين أجل في ميزان الله من التهجد..

ولنكن صرحاء مع أنفسنا ونعترف أن هذه المقارنة بين عمل محمد وعمر ابني المنكدر هي مجرد مقارنة تاريخية لا صلة لنا بها .. أنا أخجل أصلاً من أن أطرح هذه المقارنة باعتبارها مرتبطة بواقعنا .. فهؤلاء يتنافسون بين إحياء الليل في التهجد أم إحياء الليل في بر الوالدين.. وكلاهما بالنسبة لنا اليوم خارج النمط المألوف في حياتنا الاجتماعية أصلاً إلا من رحم الله!

وتمر بالمرء قرارات كثيرة في حياته .. في حياته العلمية والعملية .. تحديد تخصص دراسي، قبول عرض وظيفي، شراء مسكن أو مركب، الخ.. وقد يكون أحد الوالدين رافضاً للقرار .. فيشعر الابن أن أباه أو أمه ليس لهما اطلاع كافٍ يخولهما فهم الأمر ورفضه.. فيدير مقود شأنه باتجاه ما قرر ولا يفكر في استرضاء والديه أولاً .. وغالب هذه القرارات يُنزع منها البركة .. والعاقل الحصيف هو الذي يسترضي والديه قبل أن يقدم .. فإن لم يرضيا فمن يتق الله يجعل له مخرجا .. ولا أقبح من الاستخفاف باسترضاء الوالدين .. والشعور أنهما لا يدركان ما يدرك الابن..

وإذا تداول الناس مسألة “أثر التقوى على العلم” فإنهم يذكرون عبارة الإمام أحمد الشهيرة التي رواها المروذي أن أحمد قال (عبد الوهاب الوراق رجل صالح، مثله يوفق لإصابة الحق) وعبد الوهاب هذا له ابن اسمه الحسن، وهو أحد المقرئين من تلاميذ الدوري، وكان ابناً باراً، وحدث له مع أبيه قصة، يحدّث الحسن عن نفسه قائلاً:

(كنت قد اعتزمت إلى الخروج إلى “سر من رأى” في أيام المتوكل، فبلغه –أي أباه- ذلك، فقال لي: يا حسن ما هذا الذي بلغني عنك؟ فقلت: يا أبت، ما أريد بذلك إلا التجارة، فقال لي: إنك إن خرجت لم أكلمك أبداً. قال: فلم أخرج وأطعتُه، فجلست، فرزقني الله بعد ذلك، فأكثرَ وله الحمد)[تاريخ بغداد للخطيب:12/284].

فانظر كيف أثمر خفض جناح الذل للوالدين في قرار تجاري البركة في الرزق، فوجد في طاعة والده بركة في ماله، كان سيفقدها لو شمخ برأيه الشخصي..

إظهار الاحترام لرأي الأبوين، وإجلالهما، وإظهار الاستفادة من خبرتهما، والصدور عن توجيههما: هي جنة البر التي من لم يدخلها لن يعرف ماذا تعني هذه الاستعارة القرآنية (واخفض لهما جناح الذل)..

وكم ترى في الشبّان من يسعى لإظهار جهل والديه وأنهما لا يفهمان الجيل الجديد .. بل ربما رأيت الشاب يستعرض بمصطلحات شبابية كالمستعلي على والده أنه لا يفهمها..

وكم ترى في الفتيات من إذا دخلت المرحلة الثانوية والجامعة صارت تلمز ذوق والدتها.. وتظهر لها أن فلانة من قريباتها أحسن ذوقاً منها .. تظن أن هذه مجرد تقييمات عابرة .. ولا تعرف جرح الكبرياء الذي تغرزه في خاصرة والدتها بلا مبالاة ..

أبعد كل هذه السنوات التي طافت بها والدتك الأسواق لتجعلك شامة في عيون قريناتك.. تأتين اليوم وترمين العبارات اللاذعة عن ذوق والدتك؟!

وبرغم كل هذه الصور البائسة اليوم في عدم التفطن لدقائق قول الله (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ) فمازال في الأمة خير ولله والحمد .. ومازالت صور من البر يتناقلها الناس اليوم سُرُجاً يستضاء بها في سماء المادية الكالحة في هذا العصر..

والله أعلم،،

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.

أبو عمر

جمادى الثانية 1435هـ

إقرأ المزيد

تحريم المرقوق ورياضة البنات : المضمر في فتاوى التحريم | عبدالله الوهيبي

عدد القراءات : 157

تحريم المرقوق ورياضة البنات : المضمر في فتاوى التحريم

الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

ذكر الشيخ الرحالة محمد العبودي في كتابه عن أسر بريدة قصة لافتة، وخلاصتها أن أحد الناس ذهب لبعض المشايخ وسأله عن (حكم صيد الصَلَب؟). وذلك أن الصلب (وهم فئة اجتماعية كانت تمتهن مهن معينة) يقومون بصيد الطيور وغيرها ثم يقومون ببيعها، والمشهور عن هؤلاء الصلب أنهم لا يصلون في تلك الفترة الزامنية والمكانية، ومعلوم أن المرجّح عند طائفة من مشايخ نجد وغيرهم من فقهاء الأمصار=الحكم بكفر تارك الصلاة، وينبني عليه تحريم ما يصيده الصلب، ومن هنا ورد السؤال للشيخ بحكم صيد الصلب وهم لا يصلون؟ فأجاب الشيخ طبقاً للمعطيات السابقة: لا يجوز.

ولما كان الناس قد اعتادوا على شراء هذا الصيد من “الصلب” ووضعه في طعامهم، وكان من أشهر أطعمتهم المفضلة “المرقوق”، قام البعض بتداول فهم مغلوط عن الفتوى، وأن الشيخ فلان أفتى بـ(تحريم المرقوق)، وذلك للارتباط الذهني عند بعض العامة بين الصيد والصلب والمرقوق، واشتهر القول، وتداوله الناس، وتحولت القضية لما يشبه “الرأي العام” المندد بهذه الفتوى، حتى كتب بعض شعراء بريدة قصيدة في هجاء هذا الموقف المتنطع من (المرقوق)، وربما سخر البعض من هذا الشيخ المتزمت العاشق للتحريم، حتى أنه لم يجد شيئاً يحرمه، فتسلط على هذا الطعام الفاضل. المرقوق.

من حسن الحظ أن هذه الحادثة لم تقع في لحظتنا الراهنة. وإلا لكان خبر “تحريم المرقوق” يحتل موقعاً مرموقاً في نشرة أخبار قناة العربية، مع استضافة أحد مرتزقة المنتسبين للفقه والشريعة وجوقة الإعلاميين ليشجبوا التطرف والتنطع، وليتحدث ذلك الصحفي الذي يسيل النفط من شدقيه عن عداوة (جماعة الإخوان) للمرقوق. ولربما يبادر أحد العلوج بنشر الخبر في صحيفته الغربية أو الشرقية مع مادة سخرية، ويحاول إرفاق صورة للطعام المحرم مع الخبر. وغالباً سيدشن جيش من الجهلة والنزقين في تويتر هاشتاق #تحريم_المرقوق، ويمتلئ الهاشتاق بالشتائم، والسخرية، ليتحول الهاشتاق بدوره إلى خبر أو تقرير صحفي من جديد. ليصحو الإنسان ويفتح الشاشة. أي شاشة، ويجدها تؤكد تنطع هؤلاء المشايخ، وتوضح تخلف أدائهم العلمي، وأحياناً قلة كفاءتهم العقلية والنفسية.

المهم أن الفتوى المشار إليها آنفاً فتوى محكمة من الناحية الفقهية، إلا أنها -وبسبب عدة مؤثرات- خرجت للفضاء العام بصورة بالغة الفجاجة. ولعلك تلاحظ أن الناس حينها لم يكونوا يحرصون على تشويه الفتيا، وكانوا يقفون باحترام وتبجيل للعلماء بدرجة تفوق اللحظة الحالية، ومع ذلك حصل هذا الخلل الفج. فما بالك بالسياق الراهن الذي تقف في وسائل الاتصال من كبار مواخير الصحافة والإعلام إلى الفرد العادي الذي يمكنه إنشاء هاشتاق ساخر ومدوي؟.

لا تختلف الصورة كثيراً إذا نقلناها من المرقوق إلى فتاوى متعددة أخرى (هدم الحرم، قتل ميكي ماوس،…الخ). إلا أن الموضوع أصبح أشد تعقيداً، وأكثر تركيبية. فإلى جوار الاستهداف المتعمد والمستمر لتشويه الخطاب المشيخي منذ 11 سبتمر إلى الآن، والذي يصنع من الحبة قباباً هائلة، تأتي الأسباب المتنوعة لترسخ الإشكالية المتعلقة بترهل الخطاب المشيخي، أو فقدانه التدريجي لتأثيره، أو تضعضع الثقة الشعبية به.

دوماً تظل الملفات المتعلقة بالمرأة في السعودية محل جدل شرس، وتنازع صارخ، وهي ملفات يتداخل فيها الموقف الشرعي، مع البراجماتية السياسية، مع الطموحات الأجنبية بالتغيير، مع الحقائق المزعجة للإجحاف الذي يلحق المرأة في عدة أصعدة أيضاً. ورياضة البنات أحد هذه الملفات. لا أنوي البحث في مشروعية هذا الأمر، أو منعه، أبداً. فقط أود التركيز للإجابة على سؤال مركزي:

لماذا يبدو خطاب المشايخ غير عقلاني وغير مقنع في منعهم لرياضة البنات ونحوها من القضايا الجدلية؟

الحقيقة أن تحريم رياضة البنات وغيرها من القضايا ينطلق من مجموعة من المعطيات على رأسها (إساءة الظن بالسياسي). وهذا الموقف المبني على سوء الظن له مبرراته المشروعة تماماً. بعض المبررات مستفادة من تاريخ التعاطي الرسمي الحالي مع هذه الملفات، وبعضها تحصّل بالاعتبار بتاريخ التحرر والتحول الاجتماعي في المجتمعات المجاورة، والتي حكى طرفاً منها الطنطاوي في مذكراته، كما هو مشهور.

لاحظ مثلاً تشديد البعض في مسألة تعليم الإناث للصفوف الأولية، ومنع تقنين الأحكام وغيرها من التطويرات في النظام القضائي، وتشديدهم في مسائل تتعلق بعمل المرأة، ومنع إنشاء كليات القانون مدمجة مع كليات الشريعة…الخ، ولو وثقوا بمدى التزام المنفذ بالشريعة وضوابطها لهذه الأنظمة لخفّت كثيراً من هذه الأحكام.

والمشكلة المزعجة حقاً أن الكثير من المشايخ يتحاشى الإفصاح بذلك لأسباب معروفة. فيظهر للناس أن هؤلاء المشايخ متشددين ومتنطعين، ثم تأتي الاستنكارات (وهي في أصلها مشروعة ومنطقية): ما المحرم في أن تمارس الأنثى الرياضة؟. بينما تجد التركيز على مآلات المفسدة الواقعة من الناس، وأن المرأة إذا أبيح لها فعل الرياضة أو غيرها لربما حصل منها كذا وكذا، وهذا ربما يكون صحيحاً، وسد الذرائع باب محكم في الشريعة لن يستطيع الجهلة ولا الاختلاطيون غلقه، وبناء المسائل على مثل هذا النظر الفقهي سائغ، وأما من يتحدث أن هذا فيه اتهام للناس وطعن في أعراضهم وهكذا، فهذا من قلة البصيرة، فإن هذا الإيراد يصح على كل القوانين والأنظمة في العالم، فكل الشرائع والدساتير تمنع سداً للذريعة، كمنع القيادة للمخمور، وكل الأنظمة التوثيقية للمعاملات المالية، فهل يقال أن هذه الأنظمة تنطوي على إتهام الناس بالسرقة والخيانة!؟.

المهم أن الإشكال أن خطاب البعض من الفضلاء يتركز على تعليق المنع بسلوكيات الناس، بينما في الحقيقة ليس هذا هو السبب الأساسي للتشديد في التحريم، إنما السبب الشك وإنعدام الثقة في المنفذ لهذه القرارات، واعتقاد سوء نواياه المبطنة.

والأمر المقلق أيضاً أن هذه الفتاوى بالتحريم المسببة بأمر غير عقلاني، أو بمبالغات مختلفة، أو اعتماد إحصاءات شاذة، أو غيرذلك، مثل من يقول أن تشريع رياضة البنات سينتهي لفتح باب الدعارة. هذا اللون من الخطاب غير مقبول، وهو يؤكد الاتهام الذي يوجه للبعض بالتشدد، وتحريم ما أحل الله. وهو فوق ذلك فرصة سانحة وذهبية لتمرير بعض المشروعات ذات الصبغة التغييرية للمنظومة الاجتماعية، وموقع المرأة في الفضاءات العامة، فالتشديد في منع مثل هذا من غير بيان واضح لحقيقة الأمر، يصد النفوس عن هذا النوع من الفتاوى، ويهيء النفوس لتقحم المحرمات القطعية بعد أن طرحوا المحرمات الظنية ذات العلل الباطنة.

والواجب على مشايخنا الأفاضل بيان الصورة الكاملة للناس، وتعظيم الله في القلوب، وتقديم مصلحة الدين على المصالح الشخصية، لاسيما في الملفات المتصلة بشؤون المرأة ونحوها. قولوها صريحة للناس نحن لا نثق بالمنفذ لهذه السياسات، وأنه لا يريد تشريع الرياضة للبنات فحسب، بل هي مقدمة لتطبيع الحالة الاجتماعية الجديدة، التي يباح فيها الاختلاط الكامل في التعليم والعمل، وما إلى ذلك، بدلاً من ترديد أفكار تقليدية عن بدانة الذكور، وسوء الخدمات المدرسية، والمدارس المستأجرة، …الخ، وغيرها من القضايا التي يراد لها أن (تعقلن) الموقف المانع لرياضة الإناث.

وإذا اجتمع في الفتوى القطع في موضوع الظن، وتحاشي ذكر الأسباب الحقيقة للمنع، مع قسوة العبارة، وضعف البناء الفقهي للحكم الشرعي، والاكتفاء باستبطان مآلات المسألة، مع إعلام متربص، وهاشتاقات لا ترحم، وإرهاب رمزي منظم لكل من يقف في وجه التوجهات العليا. حينها تكون كل الحيثيات متوفرة لولادة فتوى تحريم (مرقوق) جديدة! 

حمى الله بلادنا من كل سوء، وأعاذنا الله من شر المتنفذين فيها وشياطينهم، ولاحول ولاقوة إلا بالله.

عبدالله الوهيبي

13/6/1435هـ

 
 
 
إقرأ المزيد

لقاء للدكتور عبدالله النفيسي عن ثورات الربيع العربي وأنظمة حكم سايكس بيكو ج2 | فيديو

عدد القراءات : 87

https://

إقرأ المزيد

لقاء للدكتور عبدالله النفيسي عن ثورات الربيع العربي وأنظمة حكم سايكس بيكو ج1 | فيديو

عدد القراءات : 142

https://

إقرأ المزيد

مأزق المترقِّب | الشيخ ابراهيم السكران

عدد القراءات : 560

مأزق المترقِّب

الحمد لله وبعد،،

واضعاً يده على ذقنه يتفرج باهتمام بالغ على مشروعات العلم والدعوة والثقافة والحقوق تتسابق فعالياتها بين ناظريه .. هو يعرف أسماءها جيداً .. وفي أيام مضت تواصل مع بعض رجالات الإنتاج في هذه المشروعات .. بل له الآن علاقات طيبة مع بعضهم .. وبحوزته أيضاً رقم الهاتف الخاص لبعضهم .. كما أن أحدهم دعاه يوماً لمجلس ضم بعض هؤلاء المنتجين .. بل هو لا يزال يتذكر أنه أرسل لبعضهم رسالة جوال أو بريد إلكتروني ورد عليه.. لكنه إلى الآن ليس جزءاً من أي مشروع .. ولم يبدأ الخطوة الثانية في أي حلم سبق أن فتح له ملفاً في جهازه المحمول..

هذه أزمة الإنسان المترقب .. الذي تململت من جلوسه مدرّجات المتفرجين.. ومازال متفرِّجاً..

الإنسان المترقب قد يكون يرفل في ربيع العمر ويحرق سنواته الذهبية بلا مبالاة من يشعل سيجارة لصديق وضع يده على جيبه ولم يجد ولاعته.. وأخذ ينفث الزمن في الهواء ..

الإنسان المترقب حدث تحول مهم في حياته، كان يتابع الجدل والردود المتبادلة ونقائض التيارات عبر المنتديات الإلكترونية، ثم صار اليوم يتابعها عبر شبكات التواصل، هذا كل ما في الأمر ..

الإنسان المترقب قد يكون في المسجد يراجع حفظاً أو يذكر الله .. فتنسلّ يده لجواله وينقر أيقونة شبكات التواصل .. ويخرج من المسجد وهو فيه .. أتى إلى المسجد لتغتذي روحه العطشى لذكر الله .. لكنه دخل المحراب بجسده ثم قذف بروحه في العراء خارج الأسوار..

هل هذا يعني أن الإنسان المترقب هو كائن معزول الإحساس بالزمن؟ هل المترقب عديم الأحلام والطموحات؟ لا، بل هو يتحرّق كثيراً ويتمنى أن يصنع شيئاً لنفسه وللآخرين، ولكنه واقف كالمشلول .. لماذا؟ المترقب ذاته لا يدري ..

حين يكون المترقّب في مجلس ذكر عن قيام الليل تشتعل همته للمناجاة في هزيع السحر، وحين يكون المترقب يستمع لدرس عن فضل العلم ومناقب المعرفة يكاد يمضغ ذاته حماسةً ويتخيل نفسه قد حبس عليه غرفته بين أرفف مكتبته .. لكن ما إن يتجاوز لهيب الحماسة حتى يتبدد كل شيء ويعود لذات برنامجه اليومي في التفرج على المنتجين..

لدى المترقب مشكلة يمكن تسميتها مشكلة “ترحيل المهام” فحين كان المترقب في المرحلة الثانوية كان يحدّث نفسه بأنه إذا انتقل للجامعة وصار له استقلال وحرية أكبر فسيبدأ مشروعات علمية وعملية .. ولما بدأ الدراسة الجامعية صار يقول لنفسه متى ينتهي ضغط المذكرات والبحوث وتحضير المحاضرات والاختبارات وتبدأ مرحلة المهنة وأتفرغ لمشروعاتي العلمية والعملية؟! وهو يقولها صادق، ولما بدأت مرحلة المهنة أصبح يقول لنفسه بعدما أنتهي من هم الزواج والمسكن والاستقرار المادي سأبدأ بإذن الله تنفيذ خططي وأحلامي العلمية والعملية، ثم انخرط في مسؤوليات الأسرة والأبناء ومتطلبات المهنة، حتى طوّح به العمر خارج الموسم الذهبي للإنتاج، وصار يقول لنفسه ذهب وقت التحصيل والبناء “وهل يصلح العطّار ما أفسد الدهر”.. وهكذا أحرق المترقّب عمره عبر آلية “ترحيل المهام”..

يشتكي البعض ويقول أن شبكات التواصل أو تصفح الانترنت جذّاب ويشغلني عن مشروعات علمية كثيرة، ربما يكون هذا الكلام يتضمن توصيفاً دقيقاً للمشكلة، ولكن لي رأي آخر، رأيي أن كثيراً من الملهيات عن العلم والعمل ليست جذابة أصلاً، وإنما هي في حقيقتها وسيلة “هروب نفسي” عن المهام الواجبة .. ألا ترى أنك أيام الاختبارات تدع المذكرات وتقرأ بعض الكتب التي كنت منشغلاً عنها خارج الاختبارات؟ ألا ترى أنك إذا بدأت بكتاب في علم معين، صارت نفسك تحدثك بمطالعة كتاب في علم آخر لم تكن لتطالعه قبل ذلك؟

صحيح أن حالة التفرج والترقب هذه فيروس خطر يهدد حياة كل واحد منا، لكن الشاب الذي يعيش المرحلة الذهبية للتحصيل العلمي هي في حقه أفظع وأكثر خطورة، فقد أصبح كالمزارع الذي نام على البذور حتى فات الموسم .. فالمرحلة الذهبية للتحصيل العلمي هي مرحلة الذروة في قوة الملكات .. وأي غبن أن تبدأ المعركة بعد أن تخور قواك..

ومن تأمل الليل والنهار الذي نعيش فيه، وكيف نتقلب في أيامه، ثم رأى قسم الله سبحانه بهذا الزمن (والعصر) امتلأ قلبه بإدراك شرف “الزمن” .. وأنه في كل ثانية ودقيقة وساعة ينفق من (رصيد زمني) منحه الله إياه وكتبه الملك حين كان جنيناً عمره أربعة أشهر.. لا شيء ساكن في حياتك .. أنت في كل لحظة تنفق من رصيدك الزمني .. فإما أن تشتري به علماً وعملاً رابحاً .. أو يذهب في الترقب والتفرج في صفقة خاسرة ..

وأزمة الخسارة والغبن في استثمار هذا الرصيد الزمني هو الذي أشار له الحديث الذي رواه البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ)[البخاري:6412]

ويبدو أن هذه الأزمة، أعني أزمة الترقب والتفرج قريبة من (الحالة السبهللية) التي وصفها الفاروق عمر بن الخطاب في الأثر المروي عنه (إني أكره الرجل يمشي سبهللا، لا في أمر الدنيا، ولا في أمر الآخرة).

وهناك منظومة في الآداب مشهورة لابن عبد القوي رحمه الله، جمع فيها في بيت واحد حديث البخاري وأثر عمر، حيث قال رحمه الله:

ولا يذهبن العمر منك سبهللا ** ولا تغبنن في النعمتين بل اجهد

ومن أكبر عوامل الحالة السبهللية هي مشكلة “التقطع” ومرض الترحل في أنصاف المشروعات .. ولعلك تتذكر أن العلامة ابن عثيمين يمثل مشروعاً فقهياً مكتملاً .. فبالله عليك لاحظ كيف يشرح فكرة نبعت من خبرته الطويلة حيث يقول في كتابه الذي جمعه من خطبه وسماه الضياء اللامع:

 (وإن من الحكمة أن من ابتدأ بعمل وارتاح له فليستمر عليه، فمن بورك له في شيء فليلزمه، وبعض الناس يبدأ الأعمال ولا يتممها، فيمضي عليه الوقت سبهللا من غير فائدة، فمثلا يقرأ في هذا الكتاب أو في هذا الفن، ثم يدعه من غير أن يكمله، وينتقل إلى غيره، ثم إلى آخر، من غير تكميل الأول، فيضيع عمله وينقضي عمره بلا فائدة، وكذلك في الأعمال الأخرى كل يوم له عمل، وكل يوم له رأي، فيضيع الوقت عليه من غير فائدة).

هذه حكمة عصرتها الخبرة يشرحها فقيه حدد هدفاً علمياً رفيعاً وبلغه فعلاً.. وليست نظرية يتاجر بها منتسب لعلم النجاح في قاعات الفنادق..

 

ومن الظواهر المثيرة للغرابة فعلاً، أن أزمة المترقب لم تعد مقتصرة على إحراق الوقت في متابعة الجدليات والمناقضات عبر شبكات التواصل، بل أصبحت مثل هذه المماحكات التويترية مادةً للحديث في بعض مجالس الأخيار، رد فلان على فلان بتغريدة قوية، وتفكّه فلان على فلان بتغريدة مضحكة، وقصف فلان جبهة فلان، وهكذا، يا ضيعة الأعمار.. ويا سقى الله أياماً كان المجلس فيها نقاشاً عن ترجيحات ابن تيمية ومسلكيات ابن القيم ومنهج المتقدمين في الحديث وفقه المعاملات المعاصرة وأخبار القوم من سير النبلاء..

حدثت نتوءات في لاوعي المترقب، وبثور في ذوقه، وترهل قدراته الذهنية؛ تزامنت مع متغيرات نظم الاتصالات الحديثة.. ففي بداية فتوّة المترقب كان يحضر بعض الدروس المتخصصة ويقرأ بعض الكتب الراقية في لغتها ومحتواها .. وبعد أن لبس المترقب نظارة شبكات التواصل، وأدمنها، كثرت تبعاً لذلك قراءته للتلفظات السوقية والمخاشنات الحوارية.. حتى تدهور ذوقه وتخلخلت تلك الروح الجمالية التي كانت تلهمه في النظر لذاته ولمن حوله، واستسهل من النابيات ماكان يشمئز منه..

 وكثير من الناس يظن التأثر هو بمدى القناعة بالمقروء من عدمه، وهذا غير دقيق، فنمط المادة المقروءة ونوعها إذا كثر يؤثر في القارئ دون أن يشعر حتى لو لم يكن مقتنعاً بها، ولذلك قال أبو العباس ابن تيمية (من أدمن على أخذ الحكمة والآداب من كلام حكماء فارس والروم، لا يبقى لحكمة الإسلام وآدابه في قلبه ذاك الموقع، ومن أدمن قصص الملوك وسيرهم، لا يبقى لقصص الأنبياء وسيرهم في قلبه ذاك الاهتمام، ونظير هذا كثير)[الاقتضاء:1/543]

وكما كانوا يقولون للمسافر للخارج “احذر المرأة الأولى والكأس الأول”، فما أقرب أن يقال للمنخرط في شبكات التواصل “احذر الشتيمة الأولى”، ولقد رأيت إخواناً لي كانوا من أبعد الناس وأكثرهم نفوراً عن الردود الفجة والكلمات النابية، ثم مع كثرة تعرضهم لمناقشين غير راقين، تساهلوا مرة في رد خشن، ثم تبعها أمثالها، وذهب الحاجز بينهم وبين هذه الأساليب، وصرت إذا ناقشته في أسلوبه الجديد قال لي “هناك أناس لا يفهمون إلا هذه اللغة” فانظر كيف وقع في سلوك جديد شرعنه لنفسه لم يكن ليقع فيه مسبقاً بسبب كثرة جلوسه في طرقات شبكات التواصل وتعرضه المستمر لتدفق ردود بمستوى هابط..

وهكذا القدرات الذهنية فهي ليست شيئاً مختلفاً كلياً عن القدرات البدنية، بل كثير من القوانين التي تجري على القدرات البدنية تجري ذاتها على القدرات الذهنية، ومنها قانون (اللياقة)، فعضلات الجسم تترهل وتضمر إذا لم يمارس الإنسان التمارين البدنية، وهكذا القدرات الذهنية تضمر وتضعف إذا لم يمارس العقل المران الذهني العميق، ولذلك كان لفظ الرياضة في التراث الإسلامي يشمل ثلاثة مستويات: البدن والذهن والنفس، كما يقول ابن تيمية في الرد على المنطقيين (لفظ الرياضة يستعمل في ثلاثة أنواع: “رياضة الأبدان” بالحركة والمشي، و”رياضة النفوس” بالأخلاق الحسنة، و”رياضة الأذهان” بمعرفة دقيق العلم والبحث عن الأمور الغامضة).

وكانت رياضة الذهن وتمرينه وبناء القدرات العقلية مسألة حاضرة لدى المتقدمين من السلف  كما قال ابن تيمية في كتابه السابق ذاته (كان كثير من علماء السنة يرغب في النظر في العلوم الصادقة الدقيقة كالجبر والمقابلة وعويص الفرائض والوصايا والدور: لشحذ الذهن).

 والمراد أنه إذا طال فراق المترقّب للكتب والبحوث الدقيقة وتوليد المفاهيم وتمحيص الاستدلالات وحل الإيرادات، وصار زاده المعرفي تغريدات أفقية، وطالت هذه الحال، ضمرت قدراته الذهنية، بل يتطور الأمر إلى حالة أخطر، وهو كونه ينفر من المسائل العلمية الدقيقة وينفد وقود احتماله وطاقة التركيز لديه، ويصبح عقله يعمل بنظام الوجبات السريعة..

أخي المترقّب .. أنا ناصح لك، وأحب الخير لك، صدقني أنت تحتاج التوقف سريعاً وتغيير نمط حياتك، وأسأل الله أن نرى منتجاتك العلمية والعملية قريباً، والله يسددك.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه،،

أبو عمر

جمادى الثانية 1435هـ

إقرأ المزيد

اقامة الحدود في أرض الحرب | الشيخ سليمان العلوان

عدد القراءات : 488

إقرأ المزيد

أخطاء الإسلاميين القاتلة | الدكتور عبد الله النفيسي | فيديو

عدد القراءات : 340

https://

إقرأ المزيد
الصفحة 1 من 59912345102030...« الأخيرة
content top