content top

دولة البغدادي العميلة | حسين بن محمود 16 شعبان 1435هـ

عدد القراءات : 1156

بسم الله الرحمن الرحيم

دولة البغدادي العميلة

حسين بن محمود

16 شعبان 1435هـ

ليس خطأ ما قاله البعض من أن هذه الفتوحات العراقية في الأيام البيض من شعبان (1435هـ) هي مؤامرة كبيرة نفذتها جماعة عميلة .. هذا الكلام – وللأسف – اكتشفنا حقيقته مؤخراً بعد أن وقع الفأس في الرأس ، نسأل الله السلامة والعافية .. لا بد للجميع من قراءة هذه الكلمات بتمعّن حتى لا يقعوا في هذا الفخ المُحكم .. إنها مؤامرة بكل ما تحمل الكلمة من معنى ، والذي لا يرى هذا فعليه أن يزيل الغشاوة التي على عينه ليرى الحقيقة الواضحة .. إنها مؤامرة نفذتها المخابرات الإيرانية والعراقية والأمريكية ، وربما الصهيونية ، ولا شك أن الوهابية ضالعة في هذه المؤامرة ..

 

أما المخابرات الإيرانية فإنها دعمت “الدولة الإسلامية” لتقتل معمميها وجيش المالكي الرافضي في العراق ، ولتزحف على المراقد في سامراء ، وتزحف إلى بغداد وكربلاء ، فالإيرانيون تعبوا وملوا من الشرك الذي يريدون التخلص منه عن طريق الدولة ، فأوحوا للدولة بالزحف إلى سامراء وكربلاء والنجف لتخليصهم من الشركيات والبدعيات والخرافات والمراقد ، فالدولة من سنّتها إذا دخلت مدينة تسوّي المقابر بالأرض .. وهناك نظرية تقول بأن إيران تريد أن تصبح وهابية ، وأن تتخلّص من حكم العراق وعميلها المالكي !!

 

أما المخابرات العراقية التي تأتمر بأمر المالكي فهي ضالعة في هذه المؤامرة التي تريد بها التخلص من نفوذها في الشمال والوسط والغرب العراقي بعد أن أثقل الحكم كاهلها ، فهي تريد تسليم الحكم لأهل السنة عن طريق تصفية أكبر قدر ممكن من الجيش الرافضي في هذه المواقع ، فهم يعلمون تمام المعرفة أن أي جندي رافضي يقع في يد الدولة فمصيره – في الغالب – الذبح ، ولو وقع المالكي في يد الدولة الإسلامية فإن نصيبه لا شك قبلة حميمة على رقبته ، وهذا ما يريده المالكي من هذه المؤامرة : أن يحلّ ضيفاً على الأمير البغدادي .. وهناك نظرية تقول بأن المالكي يريد إخلاء هذه المواقع من أهل السنة بسبب الحرب ، ثم يحل محلهم الرافضة ويغير التركيبة السكانية لهذه الولايات بعد أن تسلمها الدولة له على طبق من الأشلاء الرافضية !!

 

ولا ننسى أمريكا راعية المؤامرات التي تريد للقاعدة والدولة أن يكون لهما حدود من إيران إلى فلسطين ، وأن تلغي حدود سايكس-بيكو ، ولذلك عملت أمريكا على تقوية “الدولة” وغدرت بإيران والرافضة في العراق ، وتنازلت عن النصيرية في سوريا بتسليمها جميع أسلحتها وعتادها في العراق للدولة الإسلامية ، ولتكتمل المسرحية : أمر الأمريكان جنودهم بالفرار من العراق بأسرع وقت حتى لا يقعوا في يد “الدولة الإسلامية” فتنكشف المؤامرة ، لأن الدولة ستعاملهم أحسن معاملة وتحتضنهم بكل حب وتفانٍ ، وستفضح الأمريكان وتفسد كل شيء ، فكان لا بد أن يكون الأمريكان أوّل من يهرب من بغداد لتكتمل المسرحية !! وهناك نظرية تقول بأن الأمريكان يريدون الرجوع إلى العراق التي لم يخرجوا منها أصلاً ، ويريدون قصف المدن العراقية التي يحتلونها ، ويريدون تدمير العراق المُدمّرة ، ويريدون تقليل النفوذ الإيراني لأجل أن يتقربوا إليها ، ويريدون سرقة النفط الذي يأخذون منه ما يشاؤون بالمجان ، ويريدون “القضاء على عميلتهم “داعش” !!

 

أما الوهابية فلا شك أنهم مع “الدولة الإسلامية” التي تريد – في العلن – الزحف إلى جزيرة العرب ، بينما هي في السر حركة جامية توالي آل سعود ، فهذا ما يقوله الإعلام الإيراني الذي تعمل “الدولة الإسلامية” لحساب حكومتها ، بغض النظر عن عمالة “داعش” لأمريكا ولبشار وللصهيونية العالمية ، والكويت لما تُحرّك جحافلها باتجاه حدودها الشمالية فإنها تريد صد الرافضة الهاربين من “الدولة الإسلامية” العميلة للمالكي والسعودية وإيران وأمريكا والصهوينية العالمية وامبراطورية زيمبابوي ، وقد بلغنا أن “البغدادي” ارتعدت فرائصة لما سمع بتحرّك الجيش الكويتي المهيب ..

 

ومن التحليلات الجميلة الموضوعية التي أبهرت العقول : ما قاله رئيس مجلس الشورى الإيراني “علي لاريجاني” من أن أحداث العراق سببها : “البعثيين والتكفيريين والأمريكيين” !! البعثيين الذين قتلهم الأمريكان وسلبوا ملكهم ، والأمريكان الذين يدعمون المالكي ، والتكفيريين الذي يكفّرون البعثيين والأمريكان والمالكي !! هذا ما يحدث عندما تأخذ عقول السامعين إجازة مفتوحة ..

 

وسمعت كلمة في فضائية من بعض من يدعي العلم قال فيها بأن “داعش” صنيعة إيران وبشار والمالكي !! وفي نفس الكلمة يقول بأن “داعش” قتلت قادة الصحوات ، صحوات المالكي !! وأن داعش دولة وهمية ، وهي تقتل المجاهدين في الشام وتطعنهم في ظهورهم !! وأن داعش ليست موجودة في الأنبار ، مع أنه قال بأن ثورة العراقيين كانت سلمية لمدة سنة ، نحن نتسائل : هل داعش وهمية أم تطعن المجاهدين من الخلف !! وهل قتلت الصحوات المالكية أم هي صنيعة المالكي ، وهل تقاتل المالكي في الأنبار أم أن المالكي يقاتل نفسه هناك !! ذكرني كلام هذا المسكين بقطّة صغيرة رأيتها مرّة تدور حول نفسها تحاول الإمساك بظلها ، فالفكرة في رأسه ولكن عقله خانه .. العملاء يا هذا لا ينحرون (1700) جندي من جنود أسيادهم في يومٍ واحد ، والأمريكان لما احتلوا جزيرة العرب لم يُقتَل منهم جندي واحد ، بل حُملوا على أعناق وأكتاف أسيادك حتى جاءهم المجاهدون وفجروا فيهم ، وقتَل ولاة أمرك هؤلاء المجاهدين الذين تبكي عليهم اليوم في سوريا ..

 

الحقيقة التي لا يعلمها الجميع ، والتي سنذكرها هنا حصرياً حتى نبرئ ذمتنا ويكون الناس على بينة ، وحتى لا يكون هناك التباس : “الدولة الإسلامية في العراق والشام” وأميرها البغدادي وجميع جنوده هم في الحقيقة كانوا – ولا زالوا – عملاء للإمبراطورية السيلانية العظمى ، ولملكها المفدّى الذي لا نعرف اسمه .. اللهم سلّم عقولنا ..

 

حينما نتحدث عن قتل الرافضةُ للمسلمين نقول “حرب طائفية” ، أي أن الرافضة يقاتلون من أجل عقيدتهم التكفيرية الإقصائية البدعية الشركية ، ولكن عندما يتقدم أهل السنة ويأخذوا زمام المبادرة نقول “مؤامرة” ، ونستكثر على مجاهدين قدموا من جميع أقطار الأرض أن يقاتلوا من أجل عقيدتهم !! للرافضة أن يقاتلوا عن عقيدة ، أما أهل الإسلام فلا يجوز ، ولا ينبغي ، ولا يُقبل ، بل هو مستحيل .. يجب على أهل الإسلام أن يتلقوا الضربات ولا يتقدموا شبراً واحداً ، وإن فعلوا فإنها مؤامرة ..

 

المصيبة أن الذين كانوا يحذروننا لسنوات من “نظرية المؤامرة” أصبحوا اليوم أساتذة هذه النظرية يتقيّؤون ما تقذفه عقولهم النتنة من أقاويل لا ترتقي إلى مستوى الكذب ، بل هي أقرب إلى الحمق والدناءة .. لم يتركوا قولاً ولا تهمة ولا نظرية إلا أتوا بها في محاولة يائسة بائسة لصد المسلمين عن مجرّد التفكير بالفرح والسرور لهذه الفتوحات العراقية ، وكأن أهل الإسلام لا حظّ لهم من الحرب غير السلام والإستسلام !! تاهوا سنوات عن أفعال الرافضة في العراق من هتك للأعراض وسفك للدماء وعمالة وخيانة وكفر ، ثم لما تقدّم المجاهدون : ظهروا كلهم كالجراد يولولون ويحذّرون المسلمين في العراق من الذين يقاتلون دونهم ويفكّون أسراهم ويقتلون عدوّهم ويحكّمون فيهم شرع الله !!

 

يجب أن يبقى أهل الإسلام في حزن دائم ، وفي بؤس دائم ، ويجب أن يكونوا دائماً هم الضحية في كل حرب ، وفي كل موقف ، ولا يجوز أن يتخيّل المسلمون – مجرّد تخيّل – أن يمسكوا بزمام المبادرة في أي شيء .. يجب على المسلمين أن يتقبلوا سفك الدماء وتدمير البلاد واغتصاب الأموال وهتك الأعراض بقلوب سلميّة وسطيّة خانعة ، كما كان جدّهم غاندي !!

 

أن يقتل الرافضة المسلمين في العراق هذا أمر عادي ، وأن تتدخّل إيران في سوريا والعراق فهذا مكر سياسي ، وأن يقتل الأمريكان المسلمين بالطائرات بدون طيار في اليمن وباكستان وأفغانستان فهذا شي منسيّ ، وأن يقتل الفرنسيون المسلمين في مالي ، وأن يقتل الروس الشيانيين ، والهندوس : الكشميريين ، والصينيون : الأيغوريين ، والبورميون : الروهنجا ، وأن يقتل اليهودُ المسلمين في فلسطين فهذه كلها مشاكل داخلية في هذه الدول ، ولكن أن يدافع المسلمون عن أنفسهم فهذا إرهاب وتنطّع وخلاف الوسطية ومؤامرة كبرى لتقويض الإسلام ولقتل المسلمين ولتدمير البلاد ولتقسيمها ولإعطاء الغرب والشرق فرصة التدخّل فيها !!

 

أعتقد بأن هؤلاء لو كانوا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعهد الخلفاء الراشدين لقالوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم متآمر مع كسرى وقيصر ، والغرض من فتح الجزيرة هو إعطاء الفرس والروم ذريعة لقتل العرب .. لو كانوا في ذلك الوقت لوقفوا مع مسيلمة الكذاب النجدي الحنفي (نسبة إلى بني حنيفة أجداد آل سعود) ضد “صادق مضر” عليه الصلاة والسلام ، لأن كذّاب ربيعة أحب إليهم منه !! فما دمنا نخالفك ونناصبك العداء لكونك لست من جماعتنا أو الجماعة التي ندعمها أو التي يرضى عنها حكامنا فأنت مُكذَّب عندنا ولو كنت الصادق الأمين ، {فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} (الحج : 46) ..

 

حينما تتقدم الدولة في الشام وتقتل النصيرية يقولون : جماعات مسلّحة ، وحينما تقوم “الجبهة السعودية” (التي تسمى الجبهة الإسلامية ، والتي سلّمت مدناً للنصيرية) بعملية بسيطة يقيمون الدنيا ولا يقعدونها وكأنهم فتحوا الصين !! الدولة الإسلامية فتحت ولايات في العراق تفوق حجم فلسطين في أقل من ثلاثة أيام ، وهذا ما لم يفعله أحد من المجاهدين من قبل ، ثم يأتينا الكلام عن المؤامرات والإتفاقيات والعمالات ، ولما لم تنطلي هذه الحيلة على المسلمين قالوا : الدولة جزء من الحملة والفتح وليس كل الفتح ، ثم قالوا : الدولة لم تشارك بل أتت بعد الفتح وصورت بعض الأفلام !! بالأمس مؤامرة ولا فتح ، واليوم فتح منقوص ، ثم مجرّد تصوير ، ثم ينسبون الأمر كله إلى غير الدولة ، ثم يقلبون النصر هزيمة !! ما أقبح النفاق إذا ملأ القلب ، وما أكذبه ..

 

الإستنفار ضد الدولة لم يكن في إيران وأوروبا وأمريكا فحسب ، بل العرب أشد استنفاراً من الغرب والرافضة ، ورأينا البعض يُفتي السنة في العراق بالدخول تحت امرة الرافضة لقتال إخوانهم المسلمين ، ولا ندري تحت أي بند من الكفر والزندقة تكون هذه الفتاوى !! الغريب أنهم يقولون بوجوب قتال “داعش” التي احتلّت بعض الولايات ، وفي نفس الوقت يقولون بأن “داعش” ليست هي التي فتحت هذه الولايات بل العشائر العراقية ، فهم يريدون أن يقللوا من شأن “الدولة الإسلامية” ، وفي نفس الوقت : يحرّضون عليها !!

 

إن كان الذي يسمع هذا الكلام عاقلاً فإنه يفهم منه : أن العشائر العراقية هي التي فتحت هذه البقاع ، والنداء لأهل السنة وأبناء العشائر : أن قاتلوا أنفسكم واقتلوا إخوانكم ليسلم الحكم للمالكي الرافضي الذي هتك أعراضكم وسفك دمائكم ، ولا تحكموا أنتم البلاد لأن “داعش” هي التي تقود هذه الفتوحات التي تقودونها أنتم والتي لم تشترك فيها “داعش” لأن “داعش” ليس لها قوة حقيقية ، بل هي قوّة كرتونية لكنها إرهابية تريد احتلال جميع الدول العربية ، فهي لا تملك أكثر من ثلاثة آلاف مقاتل يتوزعون بين غرب العراق وشرق سوريا .. هم بين ثلاثة آلاف إلى مائة ألف مقاتل ، الفرق بسيط ، ولعدم مشاركتهم في هذه الفتوحات فإن دخولهم بجنودهم وعتادهم للموصل وتكريت وبغداد وقتلهم الرافضة بالآلاف هي مؤامرة لصالح المالكي لم يشاركوا فيها !!

 

أين علماء الإسلام !! ها هم معممي الرافضة يلبسون الملابس العسكرية ويعلنون الجهاد في الفضائيات ، ويوزعون صكوك الغفران ، والبيوت في الجنان !! أين من يقول بأن الجهاد فرض عين أو فرض كفاية أو مستحب أو حتى مباح !! السيستاني الرافضي الشعوبي الفارسي ينبح في العراق ويعلن الجهاد ضد أهل السنة ، وقد كان يحرّم الجهاد ضد الأمريكان !! لماذا لمّا أعلن “خائن الحرمين” منع الجهاد والتحريض عليه في سوريا : أعلن الجيش الإيراني الجهاد في سوريا في نفس اليوم !! لماذا يُمنع أهل السنّة من مجرّد ذكر الجهاد بينما جميع قنوات الرافضة الفضائية تحرّض على قتال المسلمين !! طبعاً هذا لا يدخل في باب العمالة ولا الخيانة ، هذه سياسة لا تبغلها عقولنا فينبغي أن لا يكون في أنفسنا حرج مما يقضي هؤلاء الحكام ونسلّم تسليما ، وأن لا نخوض فيما يقولون ويفعلون ، وإنما هذا واجبنا تجاه كل صغيرة وكبيرة يقولها ويفعلها أو لا يقولها أو لا يفعلها المجاهدون ..

 

ثم ظهر لنا “عزّت الدوري” وأعلن أن الثورة عراقية إسلامية وطنية لا دخل لها بالطائفية ولا “بالتكفيريين” !! ولعل أفضل ما جاء في خطابه هو “شكر الحكومة السعودية وخادم الحرمين على الدعم المتواصل له ولثورته المجيدة” ، فهي ثورة بعثية وطنية بتمويل وهابي سعودي لتأتي أمريكا وتقتل أهل السنة في العراق !! هل عرفتم الآن حقيقة المؤامرة !! داعش لا وجود لها وإنما هذا “خائن الحرمين” الذي دعم البعثيين ليدمّر العراق ..

 

إذاً هذه الثورة أمريكية بعثية وهابية ، ومؤامرة إيرانية رافضية مالكية ، وليس “للدولة الإسلامية في العراق والشام” أي دور فيها ، ولهذا السبب أعلن جميع هؤلاء الحرب على هذه الثورة ، إلا البعثيين فإنهم أعلنوا إسلامهم على لسان ناطقهم الدوري ، ولعلّه يحارب ثورته في المستقبل القريب !! أما “داعش” فالكل يريد محاربتها لأنها لم تشترك في هذه الثورة !! أو لأنها هي التي قادت هذه المؤامرة !! أو لأنها موجودة وغير موجودة !! أو لأنها عميلة للمالكي أو للسعودية !!

 

نعم إن “الدولة الإسلامية في العراق والشام” عميلة لأمريكا وإسرائيل وإيران وبشار والمالكي والوهابية والبعثيين ، وهي تخوض معركة لصالح كل هؤلاء في نفس الوقت : فتقطع رؤوس الروافض من أجل الوهابية ، وتقتل الأمريكان من أجل الرافضة ، وتحارب المالكي من أجل البعثيين ، وتحارب بشار من أجل اليهود ، وتحارب المجاهدين من أجل بشار ، وتحارب حكومات الخليج من أجل إيران .. الحقيقة التي لا يجب التغاضي عنها أن الجماعة التي تستطيع فعل جميع هذه التناقضات في نفس الوقت تستحق شهادة العبقرية مع مرتبة الشرف الأولى ، فكيف يصفها البعض بأنها جماعة عبثية وهي تدير هذه المؤامرة البالغة التعقيد بكل هذه الحرفية !!

 

بقي أن ننبه على أمر غاية في الأهمية ، وهي أن “الدولة الإسلامية” خارجيّة ، أي أنها تتبع مذهب الخوارج ، وهنا نقع في إشكالية كبيرة : فالخوارج لم يكونوا في يوم من الأيام عملاء للفرس ولا للصليبيين ولا لليهود ولا لغيرهم ، وإذا قلت لأحد من السلف بأن الخوارج “عملاء” فسيسقط على ظهره من شدّة الضحك ، فالعمالة والخارجية لا يجتمعان أبداً ، كما أن النصب والرفض لا يجتمعان ، ومرج البحرين لا يلتقيان ، والجمل لا يدخل في سمّ الخياط ، والكفر والإيمان لا يجتمعان ، كذلك لا يمكن أن يكون الإنسان خارجيّ ويكون عميلاً في نفس الوقت ، الخوارج كانوا من أوضح الناس ، ولم يكونوا أصحاب مؤامرات ..

 

ليست هذه هي الإشكالية ، بل الإشكالية أن هناك من يصدّق كل هذه التناقضات ، ويبني عليها العديد من التصورات ، ولا ندري كيف يكون هؤلاء من جنس البشر الذين أكرمهم الله بالعقل وحمّلهم أمانة الوحي ، هنا الإشكالية .. الإشكالية أن نُلغي عقولنا ونبني جبالاً على قواعد جهلنا وأوهامنا التي هي في الحقيقة نتاج ما سمعناه لا ما تحرّيناه ، هذه هي الإشكالية ..

 

المؤامرة التي لم يُشر إليها محللونا السياسيون العظماء هي : طلب بعض الدول العربية المدد من الصليبيين واليهود ليقتلوا المجاهدين المتقدمين في العراق ، هذه هي المؤامرة ، بل هذا هو الكفر البواح الصراح المُجمع عليه بين أهل العلم قاطبة ، فهذا ليس مهماً ولا على بال أحد لأن هؤلاء ليسوا “داعش” ولا “القاعدة” ، هذه حكومات محترمة ، وولاة أمر شرعيين معصومين مقدّسين ..

 

المؤامرة أن تقول إيران بأنها على استعداد للتوافق مع أمريكا في القتال ضد المسلمين في العراق ، هذه هي المؤامرة التي لم تبلغها عقول الرافضة الأغبياء الذي رضعوا مقولة “الشيطان الأكبر” مع حليب أمهاتهم ، ثم يسمعون هذا الكلام اليوم ولا يُحدث ذلك مجرّة دغدغة لعقولهم ، فضلاً عن صدمة عقدية عصبية تبلغ بهم مبلغ الجنون ..

 

المؤامرة أن نُقنع أنفسنا بأننا ضعفاء أذلّاء ، ونجيز على أنفسنا السجود لغير الله ليركب على ظهورنا الرافضة والنصارى .. المؤامرة أن يقول البعض بأن “الدولة الإسلامية في العراق والشام” تريد إعطاء الأمريكان وإيران المبرر للتدخّل في العراق وسوريا وكأن الأمريكان والإيرانيين لم يتقاسموا البلدين ، وكأن أهل السنة لا تواجد لهم ولا وزن لهم حتى يتدخّل الكل في شؤونهم ويبقوا متفرجين ..

 

صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم القائل “لتتبعنّ سَنَن من قبلكم حذو القذّة بالقذّة حتَّى لو دخلوا جحرَ ضبٍّ لدخلتُموه. قالوا: اليَهودُ والنَّصارى؟ قالَ: فمَن” (صحيح) ، وفي رواية ” لَيحمِلَنَّ شِرارُ هذه الأُمَّةِ على سَنَنِ الذين خَلوا من قبلِهم – أهل الكتاب – حذْوَ القُذَّةِ بالقُذَّة” (قال الألباني في السلسلة الصحيحة : إسناده حسن في الشواهد) .. الأمة بتقاعسها وتخاذلها وتركها للجهاد دخلت التيه ، وبقيت فيها سنوات طويلة حتى خرج جيل منها خارج الطوق وبلغوا الأرض المقدسة لتقف جموعٌ خلفها تنهاها عن الدخول فيها ، فما أشبه هذه الجموع بالذين قالوا لموسى {إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} (البقرة : 24) ، وليت جموعنا قالوا للمجاهدين “إذهبوا أنتم وربّكم فقاتلوا” بل قالوا لهم “لا يجوز لكم القتال ولن نترككم تقاتلون” ، فتعساً لهذه العقول وبعدا !!

 

ألم تقل هذه الجموع لأسامة – رحمه الله – بعد ضرب الأبراج : {أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا} (الأعراف : 129) ، ثم لما أعلن الحرب على أمريكا قالوا له {لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ} (البقرة : 249) أو “بأمريكا وجنودها” ، وقد هزمها المجاهدون في العراق وأفغانستان والصومال هي وتحالفها الدولي ، وقد قالوا عن أسامة أنه عميل لإيران والأمريكان ، وقالوا عن طالبان بأنها عميلة للأمريكان ولباكستان ، ثم اتضح بأنهم هم العملاء ، وأن من يصدّقهم جهلاء ، وقد عادوا لغيّهم ، وعاد الحمقى لتصديقهم ..

 

ما أقبح عقلية المًستَعْبَد وما أذلّ نفسه وما أحقرها ، فهو على الدوام – وفي كل زمان – أحقر وأذلّ من أن يدافع عن نفسه أو يرى لنفسه حق الدفاع ، وهذا أمر تأباه الدجاجة على نفسها ، فالمُستعبدُ يرضى بالتبعية والسُّخرة والعبودية للبشر ، ويرى في نفسه الضعف ويرضى لنفسه المهانة ، بل ويستعذبها ويعبد من يُذلّها ، ألم يقل فرعون لأهل مصر {أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى} (النازعات : 24) فأطاعوه وعبدوه من دون الله ، وقد رأينا عوام الرافضة يسجدون ويزحفون تجاه معمميهم في ذلة ومهانة لا تليق بالحيوان ، فلا جرم أن يفرّ هؤلاء كالجرذان أمام الأحرار من أهل الجهاد ..

 

لقد نادى مناديا بني إسرائيل وأعلناها من قبل {ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ} (المائدة : 23) ، فهذه دعوة إلى كسر النفسية المُستعبدَة الحقيرة وتحريرها من ترسبات الخوف والتردد وضمور الهمّة ، كل ما عليهم أن “يدخلوا الباب” فقط ، كل ما عليهم أن يكسروا هذا الحاجز النفسي المبني من تراكمات مرحلة العبودية والقهر ، وهذا ما فعله المجاهدون في هذا الزمان : دخلوا على الكفار الباب في أفغانستان والشيشان والعراق والبوسنة والصومال ، بنيّة الغلبة ، وبدون تردّد ، متوكلين على الله ، فكان لهم ما أرادوا من الغلبة بفضل الله ومنّته ..

 

إننا من أمة ليس لها مع الكفر أنصاف حلول ، إما النصر وإما الشهادة {يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ} (التوبة : 111) ، النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يُعطي غطفان ثلث ثمار المدينة في غزوة الخندق – لرأي رآه – استشار السعدين فقالا له “لقد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان ، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرىً أو بيعا ، فحين أكرمنا الله بالإسلام ، وهدانا له وأعزنا نعطيهم أموالنا ، والله لا نعطيهم إلا السيف” ، فصوّب النبي صلى الله عليه وسلم رأيهما” (ذكره ابن حزم في جوامع السيرة) .. ولما ارتدّت العرب في عهد الصديق وأراد بعض الصحابة أن يمتنع الخليفة عن حربهم لضعف المسلمين ، وقف الصدّيق – رضي الله عنه – كالجبل الأشمّ وأعلنها مدوية “واللهِ لو منَعوني عِقالًا كانوا يؤدُّونَه إلى رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم لقاتَلتُهم على مَنعِه” (البخاري) ، هكذا يكون كسر باب الخوف بمطرقة الإيمان ، وبهذا ساد الصحابة وفتحوا البلدان ..

 

لا يصلح أمر آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها ، فلا مكان للتردد والوقوف على عتبات أبواب الخوف طلباً لأنصاف الحلول ، بل يجب دخول الباب وكسره وحرقه ليعلم الكفار أن الأمر جد ، وهذه قريشٌ لما آذت النبي صلى الله عليه وسلم وقف على رؤوسهم – في مكّة – وأعلنها في وجوههم “أتسمَعونَ يا معشرَ قُريش أمَا والَّذي نفسُ محمد بيده لقد جِئْتُكم بالذَّبح” (وفي رواية : وأشار بيدِه إلى حَلقِه) ، فأخَذَت القومَ كلمتُه حتَّى ما منهم رجُلٌ إلَّا لَكأنَّما على رأسِه طائرٌ واقعٌ حتَّى إنَّ أشَدَّهم فيه وطأةً قبْل ذلك يتوقَّاه بأحسَن ما يُجيب من القول حتَّى إنَّه لَيقول : انصرِف يا أبا القاسم ، انصرِف راشداً ، فوالله ما كُنْتَ جَهولًا ، فانصرَف رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم” (ابن حبان في صحيحه) وقائل الجملة الأخيرة أبو جهل فرعون هذه الأمة ، فالمتفرعنون إذا تخيّلوا الذبح وأيقنوا صدق قائله : خنست نفوسهم ، وظهر خوَرهم ، فلا تعجبوا إذا رأيتم الناس يفرون من المجاهدين لا يلوون على شيء ، فقد جائهم المجاهدون بما جاء النبي صلى الله عليه وسلم قريشاً ، فالذبح سنّة نبويّة ، ورحم الله الزرقاوي الذي أحياها من جديد ..

 

ختاماً أوجّه كلمة بسيطة لقادة الجهاد في العراق ، وعلى رأسهم قادة “دولة الإسلام في العراق والشام” ، فأقول :

 

إن الإعلام الغربي يدندن حول إعلان الدولة الإسلامية وقيام الخلافة في محاولة خبيثة لجر المجاهدين لإعلان شيء من هذا دون الرجوع لبقية المسلمين المعنيين بالأمر ، وقد ذكرت سابقاً بأنه لا يمكن إعلان الخلافة اليوم دون أخذ رأي أهل الحل والعقد في الأمة ، وعلى رأس هؤلاء اليوم : الملا محمد عمر ، والشيخ الظواهري ، وقادة الجهاد في الشيشان والصومال والمغرب واليمن ، فلا بد من اجتماع الكلمة على هذا الأمر الخطير حتى يستقيم ويستقر ، وإلا كان الإعلان افتئات على الأمة وتفريق لها ، والمسلمون أمرهم شورى بينهم ..

 

اعلموا – رحمكم الله – أنكم في بداية الطريق ، وأن العراق والشام لكم إن صدقتم الله ، واتبعتم هدي نبيّه ، ورصصتم صفوفكم ، وتصالحتم مع إخوانكم ، وقاتلتم العدو كالبنيان المرصوص ، أما إذا تنازعتم – والعياذ بالله – فإن مآل التنازع : الفشل وذهاب الريح .. أكثروا من الضرب فوق الأعناق ، وضرب الرقاب ، وأثخنوا في العدو ، وشرّدوا به من خلفه وأرهبوه وأرهبوا مَن وراءه ، وليكن إحجام عدوّكم عنكم بسبب بطشكم وشدّة بأسكم ، فلا تأسروا أحداً لغير حاجة ، بل أكثروا من القتل ، وليكن رعب عدوّكم مصدر قوّتكم ، فلا تأخذكم فيهم رأفة ، بل احصدوهم حصدا ، والقوة الرمي ، القوة الرمي .. ثم ارفقوا بأهل السنة وأهل الإسلام ، وارحموهم ، وتذللوا لهم ، واحملوهم فوق أكتافكم ، وازرعوا فيهم العزة والكرامة والنخوة ، فهم عدّتكم وعزوتكم وسندكم بعد الله ، دارسوهم العقيدة الصحيحة وحب الجهاد والتضحية من أجل الدين ، وحب الإستشهاد في سبيل الله .. نصركم الله وأعزّكم ، وأذلّ عدوّكم ومكّنكم من رقابهم ..

والله أعلم .. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ..

 

كتبه

حسين بن محمود

16 شعبان 1435هـ

 
إقرأ المزيد

الكلمات المرضيّة في الفتوحات العراقيّة | حسين بن محمود 13 شعبان 1435هـ

عدد القراءات : 10599

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الكلمات المرضيّة في الفتوحات العراقيّة

حسين بن محمود

ما حدث في الأيام القليلة الماضية ليس معجزة عسكرية لا يمكن تفسيرها وفق النظرية القتالية ، ولا مؤامرة كبرى لأمريكا وإيران والرافضة والنصيرية والصهيونية العالمية كما يحلو للبعض الدندنة حولها ، وإنما هي نتيجة منطقية لعملية عسكرية خاطفة قام بها جنود يقاتلون عن عقيدة راسخة ضد أفراد عصابات اعتادت التطفل على موائد الحرام بالسلب والنهب فكان همها العيش الرغيد بغض النظر عن مصدره ..

 

العملية الخاطفة كانت نتاج استعدادات كبيرة وتخطيط طويل وجهد جهيد بذله المجاهدون عسكرياً وسياسياً وتربوياً وتنظيمياً أتى أكله فيما شاهده العالم من فتح للمدن والمحافظات العراقية الواحدة تلو الأخرى .. لقد استطاع المجاهدون الوصول إلى العشائر العراقية المسلمة في هذه الأماكن واقناعهم بضرورة التخلص من الإحتلال الرافضي ، واستطاعوا استكمال العدة والعتاد لهذه المعركة ، واستطاعوا شحن قواتهم معنوياً للقيام بهذه المهمة الخطيرة ، واستطاعوا تنظيم صفوفهم بحرفية عالية واعداد خطة محكمة أبهرت العالم ..

 

لعل السؤال الذي يطرح نفسه الآن : إن كانت “الدولة الإسلامية” مخترقة على مستوى القيادة فلماذا لم تصل معلومات الحملة العسكرية للروافض في بغداد !! كيف استطاع المجاهدون أخذ الروافض على حين غرّة وقتل أعداد كبيرة من أفرادهم وقادتهم والزحف نحو بغداد إن كانوا مخترقين على جميع المستويات !! سؤال يطرح نفسه ..

 

الملفت للنظر أن جميع القنوات العربية حاولت بكل ما أوتيت من مكر وخبث صرف وجهها عن هذه الفتوحات ، وكل القنوات تحاول إشغال متابعيها بأي شيء غير “الدولة الإسلامية في العراق والشام” في هذه اللحظات ، وقد رأينا “قناة الجزيرة” مثلاً تركّز أكثر وقتها على “كأس العالم” وعلى مؤتمرات يعقدها الأمريكان هنا وهناك ، والغريب هو التكرار الغير معهود لهذه المواد في وقت تمثّل العملية العسكرية في العراق كنزاً إعلامياً لأي قناة جادّة !!

 

قرأت الكثير من التحليلات “المنطقية” و”العقلانية” عن مؤامرة كبرى تقودها حكومة المالكي مع “داعش” لكسر شوكة “الثورة العراقية” التي تدعمها “الدولة الإسلامية” وتقودها ، وقرأت أن “بشّار النعجة” يدعم “داعش” ضد حكومة بغداد التي تدعمه ضد “الدولة الإسلامية” في سوريا !! وقرأت عن مؤامرة إيرانية “داعشيّة” للنيل من أهل السنّة في العراق الذين على رأسهم “الدولة الإسلامية” ، وقرأت عن مؤامرة أمريكية “داعشية” لإسقاط حكومة المالكي الأمريكية ، وقرأت عن مؤامرة “خليجية” “داعشية” لإسقاط حكومة المالكي الرافضية التي تعادي حكومات الخليج التي تموّلها بالمال والمعلومات لاستئصال “داعش” الإرهابية !! هذه كلها تحليلات منطقية عقلانية رزينة تحكي تخبّط العدو وصدمته الكبيرة بسبب هذه العملية الخاطفة ..

 

المشكلة أننا كمسلمين نغفل عن حقائق النفس البشرية وعن دقائق وصف القرآن للمشاهد التأريخية فأصبحنا ننظر إلى المواقف نظرة ماديّة بحتة لا تجعل في حسابها العامل النفسي الذي هو أعظم المعطيات في الحرب ..

 

لننظر إلى هذا المشهد المنطقي العقلاني في القرآن ، ولنقارنه بواقعنا المعاصر ، قال تعالى : {يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ * قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ * قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} (المائدة : 21-24) ..

 

إن القرار المنطقي المرتكز على النظرة المادية المدروسة دراسة عقلانية هو قرار قوم موسى بعدم دخول الأرض المقدّسة للتباين الكبير في القوة العسكرية بين الفريقين ، وهذا التباين وهذا الخوف نتج منه إحجام شديد ثم قلة أدب وتطاول على رسول الله موسى عليه السلام ، أما القرار الغير منطقي والغير عقلاني والغير مبني على الحسابات الأرضية فكان للرجلين اللذان قالا {ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ} !! بأي منطق وأي علم يتحدث هذان الرجلان !! كيف تدخل على العمالقة الجبابرة الذين لا قبل لأحد في الأرض بهم ، والذين وقف فرعون ذاته على حدودهم لا يجرؤ تجاوزها لشدّة بطشهم !! إنّه منطق اللاعقلانية في نظر كثير من الناس .. إنّه منطق العاطفة المفرطة .. إنه منطق اللامنطق !!

 

إنه – يا سادة – منطق التوكّل على الله .. إنّه منطق العقيدة الراسخة .. إنه منطق الإرادة الجادّة .. إنه منطق العزيمة الأكيدة .. إنه منطق {ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} .. إنه منطق اليقين الذي لا يساوره شك .. منطق التسليم المطلق لأمر الله .. منطق التصديق الكامل بوعد الله ..

 

هناك منطقان : منطقٌ إبليسي شيطاني يُنسي صاحبه قدرة الله وعظمته {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} (آل عمران : 175) ، ومنطق قرآني رباني يعتمد كلياً على قاعدة التوكّل على الله {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} (آل عمران : 173) وهذا المنطق مآله {فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ} (آل عمران : 174) ومآل المنطق الأوّل خزي في الحياة والدنيا وعذاب أليم في الآخرة ..

 

إن الذي يحسبه البعض منطقاً وعقلانيّة ورشَداً ونضجاً وسياسةً وذكاءً وحنكة وخبرة ودراية يكون في كثير من الأحيان عبثاً فكرياً لا يمت للواقع الكوني بصلة ، فضلاً عن الحقيقة الشرعية ، فحساب القوة المادية في الحرب وإغفال الجانب النفسي خطأ فادح في حسابات الحروب ، والإعتماد على الجانب التنظيمي والإعدادي وإغفال الجانب الروحي كارثة عسكرية ، والإعتماد الكلي على العتاد وإهمال الجانب الإيماني العقدي الذي هو أصل النصر وسببه الأوّل والأعظم أمر لا يمكن تبريره لدى المسلمين .. لا بد من التوازن في المنطق العقائدي والعملي ، والإعتماد الكلي على الحقيقة الشرعية لكسب المعركة ضد الكفر ..

 

ليس غريباً أن ينهزم الرافضة وتنهزم جيوش المالكي أمام الزحف الإسلامي ، فالفرق كبير بين العقيدة المتأصلة المتجذّرة في نفوس المجاهدين وبين هؤلاء المرتزقة .. إن الذي يحب الحياة ويتوق لها لا بد أن يهرب من المعركة ، أما الذين يتسابقون إلى الموت ويرونه كرامة وشهادة في سبيل الله لا يمكن أن يقف أمامهم محبي الحياة ، فقوم موسى – عليه السلام – كرهوا الحياة فتاهوا في الأرض ، وأتباع محمد – صلى الله عليه وسلم – طلبوا الموت فوُهبت لهم الحياء وملكوا الأرض ، وأسألوا الروس والأمريكان عن عشاق الموت .. عُشّاق الموت هم صُنّاع الحياة ..

 

كتبت في مقالة سابقة بعنوان “وسقطت الدولة” (في 5 ربيع الثاني 1435هـ) هذه العبارة : ” لعل البعض لا يدري بأن حدود الدولة اليوم أكبر من ست دول عربية مجتمعة ، وأن جيشها أقوى من أكثر الجيوش العربية ، وأن قادتها عندهم من الإستقلال ما ليس عند جميع حكام الدول العربية ، ولو أن الغرب خرج من المعادلة فإن هذه الدولة تستطيع – بإذن الله – أن تلتهم أكثر الدول العربية في بضعة أشهر” (انتهى) ولا زلت أقول هذا الكلام لعلمي بالتباين العقدي بين جنود الدولة وجيوش الدول العربية التي لا تستطيع الصمود إلا بمدد من الصليبيين واليهود ..

 

لننظر إلبى هذه السورة العجيبة في القرآن ، سورة نقف أمامها حيارى ، ونحاول جهدنا استخلاص بعض حكمها بعقولنا القاصرة ، وهيهات أن نصل إلى جوهرها ومكنون حكمتها ، قال تعالى {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا} (النصر : 1-2) فالمنطق البسيط يقول أن بعد النصر والفتح ودخول الناس في دين الله أفواجاً : فرح وسرور واحتفال وفخر واعتزاز ، ولكن الأمر الإلهي جاء مخالفاً لهذا المنطق المزعوم :{فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} (النصر: 3) ما دخل التسبيح والإستغفار والتوبة : بالنصر والفتح !!

 

بحثت في كتب التفسير فلم أجد أحسن من كلام الإمام “سيّد قطب” رحمه الله في تفسير هذه الآيات القليلة المبنى ، الغزيرة المعنى ، وبيان بعض حكمتها وجمالها وتعمّقها في حقيقة النفس البشرية ، وأنا أنصح جميع المجاهدين بقراءة هذه الكلمات وإدراك مدلولاتها السامية التي تكشف أسرار القلب البشري وتستدرك عليه بعض نبضاته ، قال سيد قطب رحمه الله :

 

“في مطلع الآية الأولى من السورة إيحاء معين لإنشاء تصور خاص عن حقيقة ما يجري في هذا الكون من أحداث ، وما يقع في هذه الحياة من حوادث . وعن دور الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] ودور المؤمنين في هذه الدعوة ، وحدّهم الذي ينتهون إليه في هذا الامر .. هذا الإيحاء يتمثل في قوله تعالى : {إذا جاء نصر الله . . .} .. فهو نصر الله يجيء به الله : في الوقت الذي يقدره . في الصورة التي يريدها . للغاية التي يرسمها . وليس للنبي ولا لأصحابه من أمره شيء ، وليس لهم في هذا النصر يد . وليس لأشخاصهم فيه كسب . وليس لذواتهم منه نصيب . وليس لنفوسهم منه حظ ! إنما هو أمر الله يحققه بهم أو بدونهم . وحسبهم منه أن يجريه الله على أيديهم ، وأن يقيمهم عليه حراسا ، ويجعلهم عليه أمناء .. هذا هو كل حظهم من النصر ومن الفتح ومن دخول الناس في دين الله أفواجا ..

 

وبناء على هذا الإيحاء وما ينشئه من تصور خاص لحقيقة الأمر يتحدد شأن الرسول [صلى الله عليه وسلم] ومن معه بإزاء تكريم الله لهم ، وإكرامهم بتحقيق نصره على أيديهم . إنّ شأنه – ومن معه – هو الإتجاه إلى الله بالتسبيح وبالحمد والاستغفار في لحظة الانتصار .

التسبيح والحمد على ما أولاهم مِن منّة بأن جعلهم أمناء على دعوته حرّاسا لدينه . وعلى ما أولى البشرية كلها من رحمة بنصره لدينه ، وفتحه على رسوله ودخول الناس أفواجا في هذا الخير الفائض العميم ، بعد العمى والضلال والخسران .

 

والاستغفار لملابسات نفسية كثيرة دقيقة لطيفة المدخل : الاستغفار من الزهو الذي قد يساور القلب أو يتدسس إليه من سَكرة النصر بعد طول الكفاح ، وفرحة الظفر بعد طول العناء . وهو مدخل يصعب تَوقّيه في القلب البشري . فمن هذا يكون الاستغفار .

 

والاستغفار مما قد يكون ساور القلب أو تدسس إليه في فترة الكفاح الطويل والعناء القاسي ، والشدة الطاغية والكرب الغامر .. من ضيق بالشدة ، واستبطاء لوعد الله بالنصر ، وزلزلة كالتي قال عنها في موضع آخر {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلاَ إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ} (البقرة : 214) ، فمن هذا يكون الاستغفار .

والاستغفار من التقصير في حمد الله وشكره . فجهد الإنسان ، مهما كان ، ضعيف محدود ، وآلاء الله دائمة الفيض والهملان .. {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا} (إبراهيم : 34) .. فمن هذا التقصير يكون الاستغفار . .

 

وهناك لطيفة أخرى للاستغفار لحظة الانتصار .. ففيه إيحاء للنفس واشعار في لحظة الزهو والفخر بأنها في موقف التقصير والعجز . فأولى أن تطامن من كبريائها . وتطلب العفو من ربها . وهذا يصد قوى الشعور بالزهو والغرور ..

ثم إن ذلك الشعور بالنقص والعجز والتقصير والإتجاه إلى الله طلبا للعفو والسماحة والمغفرة يضمن كذلك عدم الطغيان على المقهورين المغلوبين . ليرقب المنتصر الله فيهم ، فهو الذي سلّطه عليهم ، وهو العاجز القاصر المقصّر . وإنها سلطة الله عليهم تحقيقا لأمر يريده هو . والنصر نصره ، والفتح فتحه ، والدين دينه ، وإلى الله تصير الأمور .

 

إنه الأفق الوضيء الكريم ، الذي يهتف القرآن الكريم بالنفس البشرية لتتطلع إليه ، وترقى في مدارجه ، على حدائه النبيل البار . الأفق الذي يكبر فيه الإنسان لأنه يطامن من كبريائه ، وترف فيه روحه طليقة لانها تعنو لله !

إنه الانطلاق من قيود الذات ليصبح البشر أرواحاً من روح الله . ليس لها حظ في شيء إلا رضاه . ومع هذا الانطلاق جهاد لنصرة الخير وتحقيق الحق ; وعملٌ لعمارة الأرض وترقيَة الحياة ; وقيادة للبشرية قيادة رشيدة نظيفة معمرة ، بانية عادلة خيرة ، .. الإتجاه فيها إلى الله .

وعبثا يحاول الإنسان الانطلاق والتحرر وهو مشدود إلى ذاته ، مقيد برغباته ، مثقل بشهواته . عبثا يحاول ما لم يتحرر من نفسه ، ويتجرد في لحظة النصر والغنم من حظ نفسه ليذكر الله وحده .

 

وهذا هو الأدب الذي اتسمت به النبوة دائما ، يريد الله أن ترتفع البشرية إلى آفاقه ، أو تتطلع إلى هذه الآفاق دائما ..

كان هذا هو أدب يوسف – عليه السلام – في اللحظة التي تم له فيها كل شيء ، وتحققت رؤياه : {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} (يوسف : 100) ..

 

وفي هذه اللحظة نزع يوسف – عليه السلام – نفسه من الصفاء والعناق والفرحة والابتهاج ليتجه إلى ربه في تسبيح الشاكر الذاكر . كل دعوته وهو في أبهة السلطان وفي فرحة تحقيق الأحلام : {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} (يوسف : 101) … وهنا يتوارى الجاه والسلطان ، وتتوارى فرحة اللقاء وتجمع الأهل ولمة الإخوان ، ويبدو المشهد الأخير مشهد إنسان فرد يبتهل إلى ربه أن يحفظ له إسلامه حتى يتوفاه إليه ، وأن يلحقه بالصالحين عنده . من فضله ومنه وكرمه . .

وكان هذا هو أدب سليمان عليه السلام وقد رأى عرش ملكة سبأ حاضرا بين يديه قبل أن يرتد إليه طرفه : {فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ} (النمل : 40) ..

 

وهذا كان أدب محمد [صلى الله عليه وسلم] في حياته كلها ، وفي موقف النصر والفتح الذي جعله ربه علامة له .. انحنى لله شاكرا على ظهر دابته ودخل مكة في هذه الصورة . مكة التي آذته وأخرجته وحاربته ووقفت في طريق الدعوة تلك الوقفة العنيدة .. فلما أن جاءه نصر الله والفتح ، نسي فرحة النصر وانحنى انحناءة الشكر ، وسبّح وحمد واستغفر كما لقّنه ربه ، وجعل يكثر من التسبيح والحمد والاستغفار كما وردت بذلك الآثار . وكانت هذه سنته في أصحابه من بعده ، رضي الله عنهم أجمعين .

وهكذا ارتفعت البشرية بالإيمان بالله ، وهكذا أشرقت وشفت ورفرفت ، وهكذا بلغت من العظمة والقوة والانطلاق .” (في ظلال القرآن) ..

 

لقد كانت دعوة النبي صلى الله عليه وسلم في المعارك من هذا القبيل ، فلم يكن النصر من عنده أو من عند جنده ولا عدته ولا عتاده ، بل كان كل هذا منسوباً لله وحده ، ففي الصحيحين من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم في القتال “اللهم مُنزل الكتاب ، ومُجري السحاب ، وهازم الأحزاب ، اهزمهم وانصرنا عليهم” ، وعند الترمذي “اللهم أنت عضدي ونصيري ، بك أحول وبك أصول ، وبك أُقاتل” (قال الترمذي : حديث حسن) ، وعند ابن السنّي أنه صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر “لا تتمنوا لقاء العدو ، فإنكم لا تدرون ما تُبتَلو به منهم ، فإذا لقيتموهم فقولوا : اللهم أنت ربنا ، وقولبنا وقلوبهم بيدك ، وإنما يغلبهم أنت” (والحديث له شاهد) ..

 

لقد أحسن الشيخ العدناني – حفظه الله – أن ذكّر جنود “الدولة الإسلامية في العراق والشام” بعدم الإغترار بالنصر ، وأن يتواضعوا ، وأن يتوكلوا على الله ولا يركنوا للدنيا ولا للغنائم ولا لعدة ولا عتاد ، وأن يطأطؤوا الرؤوس ، ويرحموا المسلمين ، فكلامه وكلام “سيّد قطب” رحمه الله خرج من مشكاة واحدة ، فليحمد الله على هذه النعمة ، وأنصحه أن يكون لإخوانه في الشام من كلامه هذا نصيب ، وأنّه آن الأوان لكي يلتحم المجاهدون ويقفوا صفاً واحداً في وجه الكفر والطغيان ، وليكن الذي يبدأ بالسلام ، فخيرهما الذي يبدأ بالسلام ..

 

كما أنصح قادة الجهاد بالمضي قدماً في خطهم العسكرية ، وأن لا ينجروا لمناوشات جانبية ، وأن لا يَسْتعدوا من لا يقتضي الموقف استعداءه ، وأفضل من قتال بعض المخالفين تحييدهم ، والقتال يكون ضد العدو الظاهر الكافر أو المعتدي الآني ، والعفو والصفح أجمل بالمجاهد من الإنتقام ، والمسلم أخو المسلم ..

 

إن إطلاق كلمة “عملية عسكرية خاطفة” على هذه الملاحم الكبرى ليس للتقليل من شأنها بقدر ما هو تذكير بأن المعركة في بداياتها ، فوسط العراق وجنوبها وبلاد فارس بيد الرافضة ، وغرب الشام بيد النصيرية ، وفلسطين لازالت مُحتلّة ، ودول الإسلام قاطبة ترزح تحت نيران الظلم والطغيان ..

 

قد يدخل المجاهدون اليوم الموصل وصلاح الدين وبغداد والرمادي ويخرجوا منها غداً بسبب قصف الطائرات الإيرانية أو الأمريكية أو غيرها ، وهذا ما حصل في أفغانستان ، فالأمر ليس فتحاً بالمعنى المعروف بقدر ما هو استشعار للقدرة والمعيّة الإلهية ، وبقدر ما هو زرع لروح العزة والكرامة في نفوس المسلمين عامة ، وفي المناطق المحررة خاصة ، وبقدر ما هو تذكير من الله للمسلمين بقدرته وعظمته إن دخلوا على الأعداء الباب وأقاموا راية الجهاد ، فهذا ليس نصر من الدولة الإسلامية ، بل هو نصر من عند الله وحده ..

 

قد يستطيع المجاهدون الحفاظ على المناطق المحررة إن أحسنوا إدارة المرحلة بأن يتصالحوا مع العشائر وأهل هذه المناطق ، وأن يجعلوا الإدارة لهم ومنهم كما هي سنة النبي صلى الله عليه وسلم ، وأن ينشروا بينهم العقيدة الصحيحة والعزة والأنفة الإسلامية ، وأن لا ينشغل المجاهدون بإدارة هذه المناطق عن الزحف نحو الولايات الأخرى ، مع ترك حامية لكل منطقة يفتحونها تضمن سلامة إدارتها وأمنها ..

 

لا بد من زرع القيم الإسلامية في نفوس أبناء المسلمين ، وتذوّق العزّة واستشعار الكرامة الإنسانية من أعظم قيم الشعوب الحرّة ، ولذلك جعل الله تعالى رسالته العالمية الخاتمة في جزيرة العرب ، فأهلها لم يخضعوا لملك ولا حاكم ، وكان كل واحد فيهم دولة في ذاته ، وكانوا يبذلون دمائهم وجميع ما يملكون في لحظة مقابل كرامتهم ، فلم يكونوا كبني إسرائيل الذين استعبدهم فرعون في عهد موسى ، ولم يكونوا كبني إسرائيل الذين كانوا تحت حكم الرومان في عهد عيسى ، ولم يكونوا كقوم إبراهيم في عهد الطاغية نمرود ، بل كانوا في صحراء جرداء لا ينازعهم فيها ملك ، وقريش ذاتها لم يكن لها حاكم منفرد ، بل كان حكمها شورى في دار الندوة ، فهذه الحريّة وهذه الأنفة وهذه العزّة مع صفاء الفطرة والبعد عن الفلسفات الشرقية والغربية كانت من أعظم مؤهلات العرب لقيادة البشرية ، فلم يدخل في قلوب المسلمين الأوائل غير القرآن وتعاليم الإسلام السامية ، مع تنظيم وتوجيه معاني العزة والأنفة والقوة والحريّة ، فكانوا بحق خير قرن في تاريخ البشرية ..

 

إن هذه الفتوحات العراقية تُفرح كل مؤمن ، وتُغيظ كل منافق ، وقد فرح المسلمون بنصر الروم على الفرس لكونهم أهل كتاب ، والفرس مجوس ، وأهل الكتاب أقرب إلى المسلمين من المجوس ، واليوم نرى البعض يحزن لانتصار المجاهدين على الرافضة ، مع أنهم يدّعون أنهم من أهل السنّة ، فما أقبح أن يكون من يدعي الإسلام بهذه السطحية ، وبهذا الغباء ، وما أشبه هؤلاء بالمنافقين الذين قال الله فيهم {إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} (آل عمران : 120) ، فمن ساءته انتصارات المجاهدين فهو مريض القلب مصاب بلوثة نفاق والعياذ بالله ، فعليه مراجعة قلبه قبل عقله ..

 

ينبغي أن لا يعكّر صفو الفرح بهذه الإنتصارات شيء من الجدال الذي يحاول المندسون إحياءه ليصرفوا المسلمين عن واقعهم .. لا بد أن يشتغل الجميع بالدعاء للمجاهدين بالنصر والتمكين ، والدعوة إلى وحدة الصف ، وأن يتكاتفوا ويتعاضدوا لنصرة المسلمين في كل مكان ، فهذه الأيام من أيام الله تعالى ، والله تعالى أمرنا بتسبيحه وكثرة الإستغار له والتوبة والإنابة إليه ، فالله الله في أمر الله لا يشغلنا الأعداء عنه ، إنها أوقات ذلة وانكسار بين يدي الله تعالى ، وأولى الناس بهذا : المجاهدون ..

 

نسأل الله أن ينصر المجاهدين ، ويجمع كلمتهم ، ويوحد صفوفهم ، ويمكّنهم من رقاب عدوهم ، ويفتح لهم مع البلاد قلوب العباد ، وأن يحفظهم بحفظه ، وأن يتقبّل قتلاهم في الشهداء ، وأن يفرّج عن أسراهم ، ويشفي جرحاهم ، ونسأله بقوته وقدرته أن يرينا في أعداء الدين عجائب قدرته ، وجلالة عظمته ، إنه القوي العزيز القاهر المتكبّر سبحانه ..

والله أعلم .. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ..

كتبه

حسين بن محمود

13 شعبان 1435هـ

إقرأ المزيد

الجزيرة العربية فى زمن الدولة العثمانية | د.راغب السرجاني | فيديو

عدد القراءات : 445

إقرأ المزيد

نقطة الهلع والضعف عند دولة الصهاينة (( اسرائيل )) – د.عبدالله النفيسي | فيديو

عدد القراءات : 702

إقرأ المزيد

قصة مخترع الكلاشنكوف – د. راغب السرجاني | فيديو

عدد القراءات : 642

إقرأ المزيد

الدولة العثمانية – د. راغب السرجاني | فيديو [4 دقائق]

عدد القراءات : 453

إقرأ المزيد

علاقتنا مع الدنيا ( 2 ) | ندى السجان

عدد القراءات : 340

علاقتنا مع الدنيا   ( 2 )

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

   الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيد المرسلين المبعوث رحمة للعالمين،  سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، ومن اهتدى بهداه واستن بسنته إلى يوم الدين ، اللهم آمين . أما بعد :

    كم أرخينا آذاننا لسماع المواعظ !؟ وكم من عبر رأينا في أحوال خلق الله !؟ وكم من ملمات أصابت غيرنا اعتبر بها منا من اعتبر وأعرض عنها من أعرض !؟ كم حمدنا ربنا على المعافاة من خطوب الدنيا ونوازلها وكم سألنا الله السلامة والنجاة من فتن الدنيا بألسنتنا ، إلا أن حقيقة قلوبنا تركن إلى الدنيا وتلهث خلف متاعها ، والله المستعان !

    شاء الله أن أقف على أية تختصر حقيقة الدنيا تأملتها فأحدثت في وجداني ما لم يحدثه أي موقف وعبرة أو عظة سمعتها من قبل ، كيف لا والواعظ هنا ربنا جل جلاله وتقدست أسماؤه ومن أحسن من الله قيلًا ، ومن أحسن من الله حديثًا .

قال الله جل وعلا في سورة الكهف التي نقرأها كل جمعة ولكن قد نغفل عما فيها من معان ظاهرة أو خفية

( وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا ) .

   فلنتأمل سويًّا حقيقة الدنيا وقد رأيتها عيانًا كما ضرب الله تعالى لنا هذا المثل في زرع نزرعه في الحدائق في فصل الربيع ، ذلك النوع من الزرع قصير الأجل الذي يخضر ويزهو في فترة الربيع الممتدة لأيام قصيرة كما نخضر ونزهو بشبابنا فما يلبث أن يأتي الصيف فيحرقه وييبسه فيموت فلا تنفع فيه سقيا ولا عناية ولو ارتوى بمياه الأرض كلها ما أحيته من جديد . وما أعمارنا وأحوال حياتنا غير ذلك ولا أفضل من هذا الوصف بمثقال ذرة . إلا أن غرورنا بطول الأمل ونحن نعلم علم اليقين أن نهايتنا ونهاية الدنيا كلها إلى يبس وزوال مستمر لا ينقطع مشوبا بذلك الركض المحموم إلى ما لا يشبعنا بلوغه فلا يملأ عيني ابن آدم إلا التراب ، وليس أكثر من ركضنا فرارا إلى الدنيا لا منها ، إلا غفلتنا !

    وضرب الله جل وعلا الكثير في محكم آياته من الأمثال في الدنيا،  ولكنه قل ما تمتلئ قلوبنا بما تتلوه ألسنتنا فتلك الأمثال لا يعقلها إلا العالمون لا الجاهلون الغافلون المصرفون عن تدبر هذا القرآن وتعلمه

قال الله جل وعلا :

( اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّـهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴿٢٠﴾ ” سورة الحديد

   لو لم نقف إلا على ختام هذه الآية الكريمة لكفانا منها اختصارا معجزا في جمع كل حقائق الدنيا في كلمات قليلة بالغة الإعجاز ( وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ) .

وفي كتب التفاسير عجب العجاب مما يأخذ الألباب المتأملة المتدبرة لمعاني هذه الآية ، فتأملوا معي :

  يقول الإمام الطبري في تفسير الآية : ” وما لذات الدنيا وشهواتها وما فيها من زينتها وزخارفها إلا متاع الغرور ، وإلا متعة يتمتعكموها الغرور والخداع المضمحل الذي لا حقيقة له عن الامتحان ، ولا صحة له عن الاختيار ، فأنتم تتلذذون بما متعكم الغرور من دنياكم ثم هو عائد عليكم بالفجائع والمصائب والمكاره فلا تركنوا إلى الدنيا فتسكنوا إليها فإنما أنتم منها في غرور تتمتعون ، ثم أنتم بعد قليل راحلون ، ثم قال والغرور مصدر من قول القائل : غرني فلان فهو يغرني غرورا بضم الغين وأما إذا فتحت الغين من الغرور فهو صفة الشيطان ، الذي يغر ابن آدم .

   وقال ابن كثير في تفسيره للآية : ” ما الحياة الدنيا إلا الغرور تصغير لشأنها ، وتحقير لأمرها ، وأنها دنيئة فانية ، قليلة زائلة كما قال تعالى : بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى . وفي الحديث والله ما الدنيا في الآخرة إلا كما يغمس أحدكم إصبعه في اليم ، فلينظر بم يرجع إليه ” .

   وقد يظن الظان من الناس أن حديثنا عن غرور الدنيا هو دعوة للتقشف والزهد والإحجام عن التمتع بما أحل الله من الطيبات من الرزق ونجد من بيننا من يستشهد بقوله تعالى ( ولا تنس نصيبك من الدنيا ) في الوقت الذي لم نجعل في أيامنا لآخرانا نصيبًا ، فالرجل منا مفتون بالمال والمناصب والكسب والمرأة مشغولة بمنافسة قريناتها والزينة ، حتى في تلك الأمور المحمودة من علم وتربية وتنمية وبناء في شؤون الدنيا نغفل أن نحتسب ذلك طاعة لله وسعيا في مرضاته فنحول رصيد تلك الأعمال إلى ميزان الآخرة .

   فحري بنا أن نجدد النيات ونحتسب المباحات ناهيك عن الصالحات فقد قيل : بصلاح النيات تصبح العادات عبادات وبفساد النيات تصبح العبادات عادات . فالعادات من أكل شرب ونوم غير ذلك إذا احتسبها العبد طاعة لله وامتثالًا لأمره وكفًّا عن نهيه كانت بميزان الصالحات من أعماله بإذن الله ، وقد نبلغ بنايتنا من الأجور ما لا تدركه أعمالنا وطاقتنا وإذا صلحت نياتنا فقد نبلغ بإذن الله منازل الأبرار .

   فانظر في قوله تعالى مثالين للبذل والإنفاق وافطن لعواقب الباذلين في الآيتين فرغم توحد العمل اختلفت العاقبة :

قال الله جل وعلا : ( مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ )  وقوله  تعالى : ( وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) ما الذي جعل عاقبة الباذلين في الآيات إلا ميزان الأيمان واحتساب نية العمل؟

   إذن في أحوال زمننا الذي عجزنا فيه أن نأخذ من الليل ما أخذ منه سلفنا الصالح ، وزمن كثرت فيه الملهيات والمشغلات فلا نفرط بمثل هذا العمل اليسير تحرير النية وتوجيهها إلى بارئها في المنشط والمكره وقياما وقعودا وشبعا وجوعا وذلك في أدنى الأحوال ، إلا أن نكون من الملحين على الله بالدعاء بأن يرزقنا علو الهمة وقوة الطاقة فيما يرضى من فضائل الأعمال والسداد في إتمام الواجبات والإحسان بالنوافل ، وإن كان ذلك صعبا في بداياته إلا أن الله أكرم من أن يمنع فضله ومدده وسداده على الصادقين من عباده ، فقد وعد ووعده الحق في سورة العنبكوت : (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69)

   إن الحديث في علاقتنا مع الدنيا يطول بطول أملنا فيها وغفلتنا وتقصيرنا ، وقد جاء في الكتاب المجيد من الآيات ما يفتح الله بها على قلوب العارفين ، وقال الواعظون في ذلك ما قالوا .

    قال الإمام ابن الجوزي في صيد الخاطر : ” الناس نيام وإذا ماتوا انتبهوا ” .

وما خاطرتي هذه إلا جهد المقل ولفتة يسيرة أذكر بها نفسي عل الله أن ينفعني بها وإياكم قبل فوات الأوان !

ربنا اجعلنا ممن نال عفوك وعافيتك بالتقوى فأحسن العمل ونجا من عقابك وفاز بغفرانك فرزقته جنانك وذلك والله هو الفوز العظيم .

 

                                                                                         

ندى السجان

رجب 1435

 
إقرأ المزيد

صفاء الأنبجانية | الشيخ ابراهيم السكران

عدد القراءات : 249

صفاء الأنبجانية

ابراهيم السكران

الحمد لله وبعد،،

طوال هذه السنوات المادية المكفهرة التي دهستنا ما تزحزح عن مخيلتي إلى هذه اللحظة صورة “الشايب” أبي عايض رحمه الله وهو يجر خطاه المثقلة بأعباء الكهولة .. كأنما يجر عربة الزمن وراءه.. ويشدني حين أكون وراءه .. أقهر خطوات الصبي لكي يتقدمني .. ويتلألأ على كتف فروته الصفراء المتهدلة رذاذ الليالي الشاتية.. ليشهد صلاة الفجر مع الجماعة في مسجد الحي.. يختلج رنين المطر فوق المظلات الحديدية التي قوّست ظهورها على جانبي الطريق .. بصوت تسابيحه المتهدجة ..

في مثل هذه البيئة التي تولي “صلاة الجماعة” أهمية قصوى ترعرعت .. وذلك كان نمط الحضانة الدينية التي رضع فيها وعي الصبي معنى الأولويات .. وحبت فيها طفولة التعرُّفات أولى خطواتها المتعثرة ..

لم أكن أعدم في كل لحظات اليوم من يقرص أذني، بمناسبة وبلا مناسبة، تأكيداً على صلاة الجماعة.. حتى انطبع في ذهني ما يشبه الترادف اللغوي بين الصلاة وصلاة الجماعة.. بحيث يثير ذكر أحدهما في الذهن صورة الآخر .. ففي كل الأحوال تعني مفردة “الصلاة” صورة المصطفين في المسجد فقط..

وحين حصلت أول فرصة تلاقي وتعرف بكتب الفقه -أو بشكل أدق شروحات كتب أحاديث الأحكام- ورأيت براهين وجوب صلاة الجماعة أدركت كم كانت العناية الإلهية تحوط جيلاً نشأ على الأكمل..

كل هذا لم يثر تساؤلاً .. لأن التساؤلات لا تنشأ في الفراغ .. وليست التساؤلات أثيراً معلقاً في الهواء .. وإنما ينثال طحين التساؤلات حين ندير رحى المقارنات والتقابلات..

في تلك الأيام كان يصلي معنا في المسجد جاليات آسيوية متنوعة .. لم يكن غالبهم بنفس حفاوة أهل الحي بصلاة الجماعة .. لكنهم كانوا يختلفون عنا بقسمات أخرى أضرمت تساؤلاتي..

بكل صدق ومباشرة: لقد كانوا أكثر منا سكوناً في صلاتهم وأكثر إجلالاً لهيئات الصلاة..

وما أكثر ما فكّرت في هذه المقارنة ..

وفي تلك الأيام .. في أجواء الأميّة الفقهية .. نشط العلماء والدعاء في إثارة الاهتمام بموضوع “أهمية طلب العلم الشرعي”.. وتنافس فتيان كان همهم ركز الطوب مرمى كرة في الشوارع الفسيحة إلى ابتدار السواري يدونون الفوائد تحت الأشياخ.. وما أزال أتذكر والدي وأعمامي وهم في مجلس المنزل وكنت صغيراً أدير القهوة بينهم ويقرع سمعي تعجبهم من الشباب الجدد اللذين نزلوا من المدرجات بينما صعدت ثيابهم إلى أنصاف الساقين..

في مسجد آخر قريب كان أحد علماء الحديث يشرح سنن الترمذي.. وكان إذا سئل فاندلق يتلاطم بالأسانيد ودقائق العلل تطامنت أمامه مفارق الأقران حتى يظن الظان أنها مسألة هو حديث عهد بحفظها.. وما كان شيخنا حديث عهد بها ولكنها كمائن النفوس تتطلب المغامز لتضمد جراحها النرجسية وتقلص الفارق بينها وبين تميز الآخرين.. فاستحوذ علي هذا الشيخ وغشيت جلالته بصري.. وخرجت من مكتبة المؤيد مقتنياً سنن الترمذي بتحقيق أحمد شاكر باتجاه مسجده.. وانخرطت في طقوس هذا الدرس.. تتجاوب جنبات المسجد بذكر بندار وقتيبة بن سعيد ومحمود بن غيلان وأحمد بن منيع ونحوهم من أشياخ الترمذي الذين أكثر عنهم في جامعه ..

ولأسماء رجال الحديث إذا استرسلت كُناهم وألقابهم مفصولة بحدثنا وأخبرنا حلاوة في الأسماع يعرفها أهل الشأن.. والشيخ يقول عبارته التي ألفناها “هذا الرجل مر معنا مراراً وتكراراً” .. وحديث فلان ينقسم إلى ثلاثة أقسام.. ولشيخنا ولعٌ بالتقاسيم في أحوال الرواة.. وهكذا حتى نصل للجملة الختامية في كل درس “لعلنا نتوقف عند هنا”..

وقبل بداية كل درس كان الشيخ يصلي النافلة البعدية ركعتين في مؤخرة المسجد.. فكنت أدع كل ما بيدي ويشخص بصري أتأمل صلاته.. وقد شهدت شيئاً ما عهدته من قبل.. في سكون يديه وهما يرتفعان للتكبير.. وسكونه في انتقالات الصلاة.. وإطالته الركوع الذي يقصره الناس..

كنت أنظر له وليس بين لحيته المطأطئة ويده المقبوضة على صدره إلا صوت تراتيل قرآن يهمس به.. ومن أعجب مشاهد المصلين الخاشعين ما يغزو النفوس من الشعور بالهالة الإيمانية التي تطوقهم.. حتى يعتري الخجل من بجانبهم من الحديث ورفع الصوت.. كأنما ينشر الخشوع في المكان رسالة استنصات..

تضخمت المقارنات في داخلي .. وعاد السؤال مجدداً .. هل ما أرى من حولي في مجتمعي القريب هو الوضع الطبيعي؟ هل كثرة الحركة في الصلاة والانتقالات بلا سكينة التي اعتدت رؤيتها في كثير من المصلين من حولي حتى انطبعت بها لا شعورياً هي الصورة المألوفة؟ هل نحن في الطريق الخاطئ ونحن لم نستشعر أصلاً أن ثمة قصور؟

بعض المصلين يسحب شماغه إلى اليمين ليعتدل المرزام، ثم يشعر أنه غير متوازن فيسحبه لليسار مرةً أخرى .. ومصلٍّ آخر يزيح كمّه عن ساعته اليدوية في معصمه ويعيد ضبط عقاربها على ساعة الحائط التي أمامه ويراوح النظر بين الساعتين حتى تتطابق العقارب.. وآخر إذا سجد تلعب أصابعه على الموكيت يرسم دوائر ويمحوها .. ومصلٍ بجانبك يتحول إلى حديقة غنّاء تصفر عصافير فمه يصون بلسانه بقايا الطعام ويستمتع بالأصوات التي يسحبها بين فجوات أسنانه..

أما الانتقالات بين أركان الصلاة فكثير من الناس يهجم بحركات شعثاء .. لا يداري النزول والقيام بسكينة وإخبات..

هذه المظاهر مجرد أمثلة من جملة مظاهر كثيرة صرت أدقق فيها قبل أن لم أكن كذلك .. بل لقد كنت أراها مظاهر طبيعية وليست موضع تدقيق واستشكال أصلاً .. بل وبكل شفافية مع القارئ لقد اكتسبت –للأسف- كثيراً من هذه التصرفات وانطبعت في سلوكي، ثم جاهدت نفسي لاحقاً على قطع كثيرٍ منها، ومازلت أكابد كشط نتوءات العادات.. وعجزت عن قطعها البتّة..

ومع هذه الرياح العلمية التي هبّت علينا صعد نجم شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم بصورة مجتمعية غير مسبوقة.. حتى صار فتيان الدعوة تلهج ألسنتهم بقولهم اختار ابن تيمية كذا، وقال ابن القيم في الجواب الكافي كذا، ولعل ذلك بعضاً مما صدّق الله به حدس الشيخ شهاب الدين ابن مُرِّي.. فقد كان رحمه الله متأثراً ببعض خلل المتصوفة.. ثم انفتح له باب الحق بعد اقترابه من ابن تيمية.. فشغف بشيخ الإسلام..

وصار ابن مري في مدينة القاهرة يصدع بالحق في مسائل الاستغاثة والتوسل والزيارة.. فابتلي كشيخه وسُجِن وجُلِد ثم نُفِي من مصر إلى الشام.. ولما مات شيخه ابن تيمية معتقلاً في القلعة أرسل التلميذ الموجوع بفقد شيخه يوصي بقية إخوانه وزملائه بالاهتمام بكتب شيخهم ابن تيمية ونسخها وأطلق قَسَمَه التاريخي وقال (فلا تيأسوا من قبول القلوب القريبة والبعيدة لكلام شيخنا..، ووالله إن شاء الله ليقيمن الله سبحانه لنصر هذا الكلام ونشره وتدوينه وتفهمه، واستخراج مقاصده واستحسان عجائبه وغرائبه، رجالا هم إلى الآن في أصلاب آبائهم). [ابن مري، قطعة من مكتوب ابن مري، تحقيق الشيباني، 1409هـ، ص (18)]

ومن رأى تسلح الشيخ محمد بن عبد الوهاب بذخيرة ابن تيمية في حرب الشركيات والبدع حتى صنع مفصلاً تاريخياً في مسيرة الأمة، ثم إيقاظ الله لابن قاسم سائحاً في الأرض يلملم فتاوى الشيخ من قماطر المكتبات، متزامناً مع انبعاث اليقظة العلمية السلفية الحديثة، ثم تزاحم الرسائل الأكاديمية والبحوث العلمية تستقي من علم الشيخ، من رأى ذلك كله عظمت ثقته بأن الله أكرم ابن مُرِّي وأوقع له مآل قسمه.

والمراد أن من عادة المحب للعلم أن تتوق نفسه لمعرفة ترجمة وسيرة الرموز المركزيين في أي بيئة معرفية .. ولذلك تتبعت كل ما وقع بيدي من تراجم لشيخ الإسلام ابن تيمية، التراجم المفردة والضمنية، وما وجدت إلى هذه الساعة أعذب من ترجمة البزار لشيخه ابن تيمية.. ففيها وقائع وشهادات حية رواها البزار كأنك تجلس مع الشيخ .. وكم طالعت هذه الترجمة في السنة عدة مرات.. وما رويت منها بعد..

في أحد تلك المشاهد كان الشيخ البزار يصوّر صلاة ابن تيمية.. وحين تحدّث عن طريقة تكبيره رسمها بعبارة تنقطع لها الأنفاس .. يقول البزار عن شيخه ابن تيمية:

(وكان إذا أحرم بالصلاة يكاد يخلع القلوب لهيبة إتيانه بتكبيرة الإحرام، فإذا دخل في الصلاة ترتعد أعضاؤه حتى يميد يمنة ويسرة)[الأعلام العلية، تحقيق المنجد:ص37]

لا أستطيع أن أتذكر كم مرةً وقفت أمام هذا النص وأخذت أتخيل هذه “التكبيرة” التي تنحني لها قلوب المؤمنين مما فيها من الخشوع والسكينة .. ولا أحصي كم مرةً طلبت التعليق في مجلس من المجالس وأخذت أحكي مشاعري وأنا أقرأ هذا النص للبزار عن “تكبيرة” ابن تيمية..

وعاد هذا المشهد من صلاة ابن تيمية يقلب في ذهني دفتر الذكريات ويفتح صفحة تلك الإشكالية التي كنت أفكر فيها.. وهي التساؤل عن مدى صحة ما أراه في نفسي وفي كثير من المصلين من حولي من اعتياد كثرة الحركة في الصلاة، والوقوف المتصدع فيه، والانتقالات المشتتة بين الأركان..

وكان للذهبي تراجم كثيرة لابن تيمية متناثرة في كتبه، ولكن كتب الذهبي ترجمة موسّعة لابن تيمية، لم نكن نجدها بين أيدينا في كتبه، وإنما نرى المؤرخين في عصر الذهبي وبعده ينقلون عنها، ثم طُبعت هذه الرسالة عام 1425هـ، ووجدت فيها نصاً للذهبي يتحدث فيه عن ابن تيمية إذا صلى بالناس إماماً، يقول فيها الذهبي: (ويصلي بالناس صلاة لا يكون أطول من ركوعها وسجودها) [الذهبي، ترجمة ابن تيمية، تحقيق عكاشة، دار الفاروق:ص244].

وأما ابن القيم فأظن أجمع من كتب عن تفاصيل طلبه للعلم القاضي صلاح الدين الصفدي، ولكن قرينه الحافظ ابن كثير له في وصف أحوال ابن القيم عبارات مبهرة، فبالله عليك تذكر ذلك العصر وما فيه من العلماء والعبّاد والمتنسكين والمجاهدين، ثم طالع قول ابن كثير عن ابن القيم:

(وكنت من أصحب الناس له، وأحب الناس إليه، ولا أعرف من أهل العلم في زماننا أكثر عبادة منه، وكانت له طريقة في الصلاة يطيلها جدا، ويمد ركوعها وسجودها، ويلومه كثير من أصحابه في بعض الأحيان فلا يرجع، ولا ينزع عن ذلك، رحمه الله)[البداية والنهاية، دار هجر:ص18/523].

حين قرأت هذا النص لأول مرة رحت أقارنه جذلاً بكلام ابن القيم نفسه وهو يشرح أحاسيس المصلي الخاشع في رسالته المشهورة “الصلاة وحكم تاركها”، كان ابن القيم يسترسل في تصوير كيف يعيش المصلي كل هيئة وذكر من أذكار الصلاة لحظة لحظة، حيث يقول ابن القيم:

(فإنه إذا انتصب قائماً بين يدي الرب شاهد بقلبه قيوميته, وإذا قال “الله أكبر” شاهد كبرياءه، وإذا قال “سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك” شاهد بقلبه رباً منزهاً عن كل عيب، محموداً بكل حمد، وإذا قال “أعوذ بالله من الشيطان الرجيم” فقد آوى إلى ركنه الشديد واعتصم بحوله وقوته من عدوه الذي يريد أن يقطعه عن ربه، فإذا قال {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} وقف هنيهة يسيرة ينتظر جواب ربه له بقوله “حمدني عبدي”، فإذا قال…) [ابن القيم، الصلاة وحكم تاركها، تحقيق المنشاوي: ص (111)].

وهكذا استمر ابن القيم في استعراض كل هيئات من الصلاة، وكل ذكر من أذكارها، منذ القيام وتكبيرة الإحرام إلى التسليم، يشرح كيف يعيش المصلي معناه بقلبه وروحه، واستغرق هذا زهاء عشر صفحات، ثم ختم ذلك بقوله:
(فالصلاة وضعت على هذا النحو، وهذا الترتيب، لا يمكن أن يحصل ما ذكرناه من مقاصدها التي هي جزء يسير من قدرها وحقيقتها، إلا مع الإكمال والإتمام والتمهل الذي كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يفعله) [المصدر السابق].

وأنا أقرأ هذا الموضع الذي هو من عيون نصوص ابن القيم، رأيت فعلاً كيف تتحول هيئات الصلاة من حركة جسدية إلى هالة عبودية .. وكيف تتحول أذكار الصلاة من ألفاظ لغوية إلى معانٍ تنتشل المصلي للملكوت الأعلى..

ولكن لماذا كنت أقرأ كلام ابن كثير عن وصف صلاة ابن القيم حين قال عنه ” له طريقة في الصلاة يطيلها جدا، ويمد ركوعها وسجودها، ويلومه كثير من أصحابه في بعض الأحيان فلا يرجع، ولا ينزع عن ذلك” ثم أقارن ذلك بوصف ابن القيم لكيف يعيش المصلي الصلاة؟
هل كنت تلك الأيام في غرارة الشباب أتوهم اكتشاف سر ما استغربه ابن كثير وعُذال ابن القيم؟ وأن هذا الرجل الذي لاموه في طول صلاته ما علموا أنه شرح في موضع آخر كيف يحيا المصلي الصلاة؟

أم كنت ياترى أوقف نفسي على الفارق بيننا وبين أئمة العلم والإيمان .. هذا ابن القيم الذي كرّس عشر صفحات لشرح كيف يعيش المصلي هيئات وأذكار الصلاة .. كرس مقابلها ستين سنة من عمره يشرح عملياً كيف يصلي المصلي ..
إيهٍ يا ابن القيم .. أنت تعظنا بربع العشر من عملك .. ونحن نعظ الناس بقروض وديون.. فرصيد عملنا دون نفقات مواعظنا بكثير.. ولذلك يبارك الله في الزكاة.. ولا يصلي رسول الله على المدين..

هذه المقارنات، وخصوصاً وصف البزار لصلاة ابن تيمية، ووصف ابن كثير لصلاة ابن القيم، قادتني للاهتمام بالموضوع وتتبعه في مظانّه من كتب السلوك وكتب التراجم، فلفت انتباهي أن أهل العلم إذا طرقوا هذا الموضوع اهتمّوا بذكر صلاة “ابن الزبير”، ولم أكن في البداية مستوعباً خلفيات هذه العناية، فينقلون من أخبار صلاة ابن الزبير مشاهدات علماء جيله له، ومن نماذج ذلك:

قال التابعي الجليل المحدِّث زاهد البصرة أبو محمد ثابت البناني (ت123هـ) (كنت أمر بابن الزبير، وهو يصلي خلف المقام، كأنه خشبة منصوبة لا يتحرك) [ البغوي، معجم الصحابة، تحقيق الجكني:ص (3/517)].

وقال التابعي الجليل إمام التفسير مجاهد بن جبر (كان ابن الزبير إذا قام في الصلاة كأنه عودٌ، من الخشوع) [مصنف ابن أبي شيبة، تحقيق عوامة:73222]
وفي رصدٍ آخر له يقول مجاهد نفسه يصف شدة سكون ابن الزبير في الصلاة (كان ابن الزبير أحسن الناس صلاة، كأنه خرقة) [أخبار مكة للفاكهي، تحقيق الدهيش:2/318]
وقال التابعي الجليل مفتي المناسك عطاء ابن أبي رباح (كان ابن الزبير إذا صلى كأنه كعب راتب)[مصنف عبد الرزاق:3304]، أي منتصب ثابت.

وأبو مهَل عروة بن قشير، من صغار التابعين وثّقه أبو زرعة وغيره، كان يصلي خلف ابن الزبير مأموماً، ويرصد صلاته، فيقول: (كان ابن الزبير يؤمنا عند المقام، فإذا فرغ من المكتوبة صلى تحت الميزاب، قائماً ما يحرك منه شيء) [طبقات ابن سعد، نشرة الخانجي:6/482]

وحين حاصر الحجاج بن يوسف مكة ونصب المنجنيق على جبل أبي قبيس عام (72هـ) وأخذ يرمي ابن الزبير وكتيبته بالحجارة والنفاطات، فكسر وأحرق، ومع ذلك كله فقد كان ابن الزبير يصف قدميه خلف المقام يصلي، فإذا دخل في صلاته ذهل عما حوله، وقد كان هذا مشهداً لفت التابعين الآخذين عن ابن الزبير، ومن ذلك ما ذكره التابعي الجهبذ العابد الذي كان يسمى سيد القراء وهو محمد بن المنكدر، حيث يقول: (لو رأيت ابن الزبير وهو يصلي لقلت غصن شجرة يصفقها الريح، وإن المنجنيق ليقع ههنا وههنا ما يبالي)[ الحلية لأبي نعيم، تحقيق جاهين:1/406].

هذه بعض الأخبار التي تناقلها علماء السلوك ومدونوا التراجم عن صلاة ابن الزبير، ودهشة أئمة التابعين منها، وبكل صراحة فإنني حين قرأت هذه الأخبار لأول مرة ورأيت عناية أهل العلم بذكر صلاة ابن الزبير واستثنائية سكونه وإخباته فيها تعاملت مع الأمر على بداهته الأولية الظاهرة، فكنت أظن هذه الأخبار مجرد مشاهدات مسجلة عن شخصية ابن الزبير استدعاها الانبهار بصلاته، كآحاد الآخبار وأعيان الوقائع، ولم ينكشف لي أي خيوط اتصال تربط هذه الأخبار باعتبار أشمل..

ثم اتضح لي أن أئمة التابعين وأتباعهم في ذاك العصر المشرق كانوا يرون صلاة ابن الزبير جوهرة في قلادة أشمل .. وأنهم ينقلونها لا باعتبارها قصة منفردة، بل باعتبارها مشهداً متصلاً بحلقات قبله وبعده..

صحيح أنه اشتهر أن الأسانيد رواحل تحمل الأحاديث والأقوال الشريفة.. ولكن ليس هذا كل شيء .. فالمشهد العملي نفسه يقتبسه لاحق عن سابق .. ويُنقل المشهد العملي نفسه بكل صمته وهالته بالأسانيد أيضاً .. كم كنت مأخوذاً بالعجب حين اكتشفت أن صلاة ابن الزبير هي أحد اللحظات في مسلسل الإخبات والخشوع .. وقد جلّى أهل العلم ذلك، فقد قال الإمام أحمد في مسنده:
(حدثنا عبد الرزاق قال: أهل مكة يقولون: “أخذ ابن جريج الصلاة من عطاء، وأخذها عطاء من ابن الزبير، وأخذها ابن الزبير من أبي بكر، وأخذها أبو بكر من النبي صلى الله عليه وسلم”. قال عبد الرزاق: ما رأيت أحداً أحسن صلاة من ابن جريج)[مسند أحمد:73]
لا أدري أي جماليات هذا الإسناد تستحق أن يُستفتح بها؟!
وكم بقيت أفكر كيف يا ترى تجسّد هذا الإسناد في الواقع؟

إنهم لا يروون عن بعضهم حديثاً قولياً .. ولا يحكون عن بعضهم صفة فعلية معينة .. إنه سلوك يستنشقه التلميذ من محراب معلمه بصمت.. ويورثه لتلميذه بنظير هذا الصمت.. لم ينطق راوٍ عمن فوقه بكلمة.. ولكنه يتزكى بمن فوقه.. ليزكّي من دونه.. فتبدأ مصابيح الإخبات من رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم، مروراً بأبي بكر الذي يتذكر القارئ حديث البخاري عنه حين ضايقته قريش فهمّ بالهجرة للحبشة، فلقيه ابن الدغنة أحد سادات العرب، فقال:
(أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: أخرجني قومي، فأنا أريد أن أسيح في الأرض، فأعبد ربي، قال ابن الدغنة: إن مثلك لا يخرج ولا يخرج، وأنا لك جار، فارجع فاعبد ربك ببلادك، فأنفذت قريش جوار ابن الدغنة، وآمنوا أبا بكر، وقالوا لابن الدغنة: مر أبا بكر، فليعبد ربه في داره، فليصل، وليقرأ ما شاء ولا يؤذينا بذلك، ولا يستعلن به، فإنا قد خشينا أن يفتن أبناءنا ونساءنا، فطفق أبو بكر يعبد ربه في داره، ولا يستعلن بالصلاة، ولا القراءة في غير داره، ثم بدا لأبي بكر، فابتنى مسجداً بفناء داره وبرز، فكان يصلي فيه، ويقرأ القرآن، فيتقصف عليه نساء المشركين وأبناؤهم، يعجبون وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلاً بكاء، لا يملك دمعه حين يقرأ القرآن)[البخاري:2298].

فصلاة أبي بكر .. مجرد مشهده وهو يصلي ويرتل آيات القرآن بفناء داره شكّل ظاهرة تأثير دعوية قلبت عوائل قريش رأساً على عقب .. حتى صاروا يتسللون يشاهدونه مبهورين..
وفي صحيح البخاري إشارة إلى شدة إقبال أبي بكر على صلاته وسكونه فيها (وكان أبو بكر لا يلتفت في صلاته)[البخاري:684].

والذي تلقى روحانية الصلاة وسكينتها من أبي بكر هو ابن الزبير الذي مرت أخباره، وأشاروا في نصوصهم لذلك كما في خبر مجاهد السابق (كان ابن الزبير رضي الله عنه إذا قام في الصلاة كأنه عود، وحدث أن أبا بكر كان كذلك، قال: وكان يقال ذاك الخشوع في الصلاة) [الكبرى للبيهقي:3522].
وقال ابن حجر في الفتح “سنده صحيح”، فهذا يكشف أن هذا السكون الشديد في الصلاة حتى كأنه وتد أو عود، أنه تلقّاه ابن الزبير من أبي بكر..

وأما عطاء ابن أبي رباح الذي أخذ هذه الحياة السلوكية في الصلاة من ابن الزبير، وابن جريج الذي أخذها من عطاء، فلهما سوياً أخبار تدل على عجائب صلاتيهما وكيف تأثر التلميذ منهما بشيخه، إذ يقول ابن جريج:
(كان عطاء بعد ما كبر وضعف يقوم إلى الصلاة فيقرأ مائتي آية من سورة البقرة وهو قائم، لا يزول منه شيء ولا يتحرك) [الحلية لأبي نعيم، تحقيق جاهين:3/80].

يا خيبة أيامي .. ويا حسرةً تقضمني الآن وأنا أقرأ هذا الخبر .. هذا الرجل بعدما كبر سنه ورقّ عظمه يصلي بالمائتين من سورة البقرة في ركعة واحدة .. والمائتين من سورة البقرة تبلغ ثلاثين وجهاً من القرآن .. أيْ جزء ونصف بالضبط في ركعة .. وهو ساكن مخبت لا يتحرك.. وهذا بعدما طعن في السن! فكيف كان عطاء يا ترى يصلي أيام فتوته وشبابه؟!

ولفت انتباهي في هذا الخبر تنبيه ابن جريج على سكون عطاء في صلاته ” وهو قائم، لا يزول منه شيء، ولا يتحرك” وهذه الحال هي المروية عن شيخه ابن الزبير عن أبي بكر.
وهكذا كانت صلاة ابن جريج نفسه، فانتقل هذا الخشوع والإطراق إليه، وقد وصفه تلميذه الإمام الحافظ عبد الرزاق فقال:
(ما رأيت أحسن صلاة من ابن جريج، كان يصلي ونحن خارجون، فيُرى كأنه اسطوانة، وما يلتفت يميناً ولا شمالاً) [شعب الإيمان للبيهقي:2884]
يا الله .. إنه ذات التشبيه الذي يصوّر السكون والإخبات في صلاة شيوخه في سلسلة الخشوع..

وقد أثّر فيّ كثيراً تعليق قصير جداً كأنما هو دمعة لا عبارة .. سحّها ابن جريج رحمه الله لما تعجّب بعضهم من صلاته فالتفت بتعقيب قصير كأنما نكأ فيه جرح الذكريات عن شيخه عطاء بن أبي رباح .. النموذج الذي تلقى عنه الصلاة .. حيث يقول ابن عيينة: (قلت لابن جريج: ما رأيت مصلياً مثلك، فقال: لو رأيت عطاء؟!) [الحلية لأبي نعيم، تحقيق جاهين:3/81].

لا أدري لماذا شعرت أنني فهمت من كلمة ابن جريج “لو رأيت عطاء؟!” أبعد مما يجب أن تعنيه.. حين كنت أقرأ هذه العبارة لم أستطع أن أدفع عن نفسي إحساساً غامراً أن ابن جريج كان يزفر وهو يقولها .. “لو رأيت عطاء”..

ومصدر هذا الشعور الذي كان يغلب علي وأنا أقرأ عبارة الإمام ابن جريج إنما هو نمط العلاقة بينهما، فإن ابن جريج تأخر طلبه العلم كما ذُكِر في ترجمته[العبر للذهبي:1/163].
وذكروا أن سبب ذلك هو ما قاله عن نفسه (كنت أتتبع الاشعار الغريبة والأنساب، فقيل لي: لو لزمت عطاء؟ فلزمته ثماني عشرة سنة، أو تسع عشرة سنة إلا أشهراً) [الجرح والتعديل لابن أبي حاتم:5/356].

وبسبب هذا الانكباب على شيخه عطاء ابن أبي رباح، قال ابن المديني (ماكان في الأرض أحد أعلم بعطاء من ابن جريج)، فهذه العلاقة العلمية العبادية التي جاءت بعد ظمأ يستحيل أن تكون علاقة فاترة الوجدان .. ولذلك كنت أشعر أن ابن عيينة لما قال لابن جريج (ما رأيت مصلياً مثلك) فرد ابن جريج بتعقيبه القصير (لو رأيت عطاء؟!) كنت أشعر أن جواب ابن جريج هذا يخفق بحنين الذكرى لشيخه وعبادته وذكرى حسن صلاته وطولها وسكونها وتؤدته فيها..

هذا الإسناد السلوكي الذي يتناقل سكون الصلاة منذ ابن جريج إلى أبي بكر متلقى عن رسول الله صلى عليه وسلم .. وشواهد السكون والخشوع والإطراق في صلاة رسول الله صلى عليه وسلم كثيرة جداً .. بل كل صفات صلاته لوحة باتجاه الخشوع والإخبات لله.. وسنتناول هاهنا أحد هذه المشاهد من صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم .. وهو مشهد “الأنبجانية” ..

فقد كان من رجالات قريش “أبو جهم بن حذيفة” وهو من بني عدي، شيخ نسّابة معمر، وقد تأخر إسلامه إلى يوم الفتح، وأهدى للنبي -صلى الله عليه وسلم- “خميصة”، والخميصة كساء من لبس الأشراف في أرض العرب، ويكون فيها أعلام، وهي الخطوط التي تكون في طرفي اللباس، وتكون غالباً بلون مغاير، فهي زي راقٍ يناسب أن يكون هدية..

فلما لبسه النبي –صلى الله عليه وسلم- خميصة أبي جهم .. وكبّر للصلاة نظر في الأعلام التي على طرفي الكساء، فلما سلّم صلى الله عليه وسلم، جاء متضايقاً لأهله وطلب منهم أن يعيدوا “الخميصة” إلى أبي جهم، وأن يطلبوا من أبي جهم كساءً آخر تطييباً لقلب أبي جهم حتى لا يقع في قلبه شيء من رد هديته، والكساء الآخر هو “الأنبجانية” وهو كساء ليس فيه أعلام وهو أقل من الخميصة ثمناً وقيمة عند العرب.. كما روى هذه القصة البخاري عن عائشة:
(أن النبي -صلى الله عليه وسلم- صلى في خميصة لها أعلام، فنظر إلى أعلامها نظرة، فلما انصرف قال “اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم، وأتوني بأنبجانية أبي جهم، فإنها ألهتني آنفاً عن صلاتي”. وقال هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: “كنت أنظر إلى علمها وأنا في الصلاة، فأخاف أن تفتنني”) [البخاري (373) مسلم (556)].

وفي رواية في مسند الإمام أحمد أنهم راجعوا النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الطلب لعله يعدل عنه (فقالوا: يا رسول الله، إن الخميصة هي خير من الأنبجانية، قال: فقال: “إني كنت أنظر إلى علمها في الصلاة”) [مسند أحمد:24190].

فانظر كمال اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بصفاء باله وفراغ ذهنه أثناء الصلاة.. حتى أنه نظر مجرد “نظرة” إلى خطوط الزينة في ثوبه مستحسناً لها فأخرج الكساء عن ملكه.. ورده لصاحبه.. فماذا يقول أقوام لم يعرض لقلوبهم نظرة في لباس.. بل منذ تكبيرة الإحرام تنطلق قلوبهم في رحلة سياحية في أودية الدنيا كلها..

وهذه القصة عن خميصة أبي جهم وأعلامها تشبه القصة الأخرى في البخاري نفسه، عن قرام عائشة، والقرام هو ضرب من النسيج فيه نقوش ويتخذ ستارة في البيوت، وفي البخاري عن أنس: (كان قرام لعائشة سترت به جانب بيتها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم “أميطي عنا قرامك هذا، فإنه لا تزال تصاويره تعرض في صلاتي”) [البخاري:374].
حياتهم كلها .. من الأزياء .. وأثاث المنزل .. يتحكم فيها مطلب الخشوع ..

حين كنت أطالع سلسلة الخشوع والإخبات والسكون هذه من ابن جريج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم انساق التفكير إلى حساب المسافة بين صلاتنا وصلاتهم .. لطالما رأيت في نفسي وفي كثير من إخواني من حولي حركات في الصلاة تناسب تمطي المرء على أريكة استرخاء لا حال قيامٍ بين يدي من له مقاليد السموات والأرض ..

كم فينا من مصلٍ يتسلى بقنص شوارد شاربه بأسنانه ثم يسلّها منها.. وشابٌ يشمخ رأسه ثم يهزه لتتطاير خصلات لمّته إلى الوراء .. وآخر يفحص زوائد الأظفار في الصلاة فإما كسر الزائد بإصبعه أو لقمه أسنانه لتقرض ما زاد.. وفينا من يطوف بيده على كرشه كالمتفقد لتحولات حجمها واستدارتها ويوهم نفسه أنها صغُرت..

بل إذا شئت أن تتأكد أننا ننشغل في صلاتنا أكثر مما ننشغل في مجالسنا فتأمل كيف تجد المرء يجلس في عمل أو مناسبة ثم إذا صلى تفطن لبقعة خفية في ثوبه لم يتفطن لها أثناء جلوسه في تلك المناسبة.. عيوننا الغافلة في الصلاة ليست في موضع السجود بل هي تطوف في ملابسنا وما حولنا تبحث عن لهو..

وكم فينا من ينظر لساعة الحائط في المسجد مراراً ثم يعيد حساب الوقت المتبقي بين انقضاء الصلاة ووصوله لمشواره الذي يخطط له.. كل هذا الانشغال والحركة بين يدي من ذلّت لكبريائه السموات والأرض.. بل كم فينا من يحسب المتبقي من الراتب بالقياس إلى المتبقي من نهاية الشهر بشيء من القلق وهو بين يدي الرزاق سبحانه الذي هو أغنى وأقنى..

وكم فينا من يبدأ التكبير وقد فسر كمه عن ذراعه من آثار الوضوء .. ثم يستكمل ترتيب كمه أثناء الصلاة لا قبلها .. وفينا من يشعر أنه بحاجة كل هنيهة أن يجول بيده على جنبيه يتحسس محفظته ومفاتيحه وأغراضه الشخصية التي يرجح بها جيبه..

بل فينا من يستخرج جواله من جيبه كالمظهر إصماته وهو يسترق النظر هل من رسائل جديدة؟ أو ليختلس اسم المتصل عسى أن لا يكون من يترقب اتصاله .. يظهر لمن بجانبه الخشوع ويغفل عن نظر الله .. ألا نخشى أن يدخل هذا تحت قول الله (يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ)، وقول الله (أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ)، وقول الله (لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ)..

كنت أقارن هذه المشاهد الاجتماعية التي أراها في نفسي وفي كثير من إخواني من حولي بما طالعته في سلسلة الخشوع منذ ابن جريج وانتهاء برسول الله صلى الله عليه وسلم .. تمر أمام ناظري تلك الأوصاف: كأنه خشبة منصوبة لا يتحرك ..كأنه عود .. كأنه خرقة .. كأنه اسطوانة.. وأشعر بالخجل يكسر عيني .. بل كنت أقول في نفسي لو رآنا هؤلاء فكيف سيصفون صلاتنا؟ ما التشبيه الذي سيطرأ على أذهانهم ليشبهونا به؟

وإذا تحدّث أهل العلم عن السكون والتمهل والتؤدة في الصلاة يذكرون قول الله (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ)[المؤمنون:1-2] وقول الله (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ)[البقرة:45] ونحوها من النصوص..
ولكن ما معنى “الخشوع” في هذه الآيات؟ الحقيقة أنك تجد كثيراً من أهل العلم في كتب التفسير والسلوك حين يقصدون لتفسير كلمة “الخشوع” في مثل هذه الآيات القرآنية يذهبون للغة العرب يفتّشون فيها عن معنى “الخشوع”، وهذا إجراء علمي معتبر وتقليد مألوف.

ولكن للبحر أبي العباس ابن تيمية طريقة أخرى تفرّد بكمية وكثافة حضورها في تفسيره لألفاظ النصوص، يمكن تسميتها “مبدأ الاكتفاء النصي الذاتي”.. وخلاصة هذا المبدأ أن ابن تيمية يرى أن معرفة معنى الألفاظ في النصوص الشرعية لا يفتقر إلى الرجوع لغريب اللغة والشعر ومعاجم متن اللغة ونحوها، بل النصوص والآثار نفسها تتضمن تفسيرها بنفسها، ويحتج بأن النص الإلهي يبيّن ذاته بذاته، والمبدأ المعرفي الذي بنى عليه ذلك هو كما يكرر “أن النبي بلغ ألفاظ القرآن ومعانيه، لا ألفاظه فقط” [الفتاوى:13/402].

ويجادل ابن تيمية في الثبوت والدلالة كليهما، فيقول في الثبوت (اللغة المستفادة من الشعر والغريب الذي يعلمه الآحاد دون ما يستفاد من نقل أهل الحديث..)[جواب الاعتراضات المصرية، نشرة المجمع:10].

ويقول في الدلالة (ثم لو ثبت النقل عن العربي الشاعر أو الناثر، وعلم أنه أراد معنى بذلك اللفظ، لكان ذلك لغة له قد أرادها باللفظ، فلم يكن إثبات اللغة بمجرد هذا الاستعمال أولى من إثباتها بالاستعمال المنقول في الحديث والآثار) [المصدر السابق].

بل إنه صعد بهذا المبدأ درجة أعلى وقال (لا حاجة بنا مع بيان الرسول لما بعثه الله به من القرآن أن نعرف اللغة قبل نزول القرآن..، والعلم بمعاني القرآن ليس موقوفا على شيء من ذلك؛ بل الصحابة بلغوا معاني القرآن كما بلغوا لفظه)[الفتاوى:7/124].

وقد ناقش ابن تيمية في هذا المبدأ بعض علماء اللغة الذين عاصروه ومنهم العملاق أبو حيان الأندلسي في خطبة تفسيره [البحر المحيط:1/104]، وللمسألة ذيول وقيود ونكات شيّقة ليس هذا الموضع المناسب لعرضها.

على أية حال .. طبقاً لهذا المبدأ، أعني تفسير النص بالنص، أو التفسير الذاتي للنصوص، أو مبدأ الاكتفاء النصي الذاتي: كيف فسّر ابن تيمية معنى “الخشوع” الوارد في الآيات السابقة؟
أي أنه إذا كنا لن نذهب أولاً للنصوص العربية القديمة المنقولة من شعر ونثر نبحث فيها عن معنى “الخشوع” وإنما سنبحث في النصوص الشرعية ذاتها عن معنى “الخشوع”، فما هو معنى “الخشوع” إذن؟ وكيف نصل لهذا التفسير؟

طبّق ابن تيمية مبدأه هاهنا بطريقة استنباطية مركبة من عنصرين، عنصر “الوجوه والنظائر” المعروفة، أي تتبع موارد اللفظ في النص نفسه اشتراكاً وتواطؤاً، وعنصر “التعريف بالمقابلة”، فلما جاء لقول الله {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} قارنها بالآية الأخرى التي قال الله فيها {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً}.

لكن ياترى أين وجه الدلالة في الآية الأخرى على معنى “الخشوع”؟ ما علاقة “خشوع الأرض” المذكور في الآية الأخرى بـ”خشوع الصلاة” المذكور في الآية الأولى محل التفسير؟
حسناً .. تأمل كيف استنبط ابن تيمية من الآية الأخرى معنى “الخشوع”، يقول أبو العباس عليه شآبيب الرحمه في رسالته المشهورة القواعد النوارنية:
(فالخشوع يتضمن السكينة والتواضع جميعا..، وقال تعالى “ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت”، فأخبر أنها بعد الخشوع “تهتز” والاهتزاز حركة، وأنها “تربو” والربو الارتفاع، فعُلِم أن الخشوع فيه: سكون وانخفاض).[ص:74].

فابن تيمية هاهنا يقول دام أن الآية ذكرت خشوع الأرض، ثم ذكرت الآية الحال التي تخالف هذا الخشوع وهما الوصفان: الاهتزاز والربو، والاهتزاز هو الحركة، والربو هو الارتفاع، أدركنا أن الخشوع سيكون بضد ذلك، فيكون الخشوع يتضمن الوصفين المضادين وهما: السكون وعدم الحركة، والانخفاض وعدم الرفع.
وواصل ابن تيمية وذكر خمسة نصوص أخرى استنبط منها أيضاً معنى “الخشوع”، دون الافتقار لمعاجم اللغة على طريقته المعروفة في التفسير.

لكني أريد أن أسألك: بالله عليك ألم تجد حلاوة في حلقك وأنت تقرأ استنباطه معنى آية خشوع الصلاة من آية خشوع الأرض؟

وأحب التنويه أن منبع التفرد التيمي هاهنا ليس في أصل اعتبار مبدأ التفسير النصي الذاتي وإنما في مزيد الحفاوة به وتفعيله في التطبيقات العقدية والفروعية والإلحاح المستمر على استحضاره، وهذا مستوى معرفي مقرر، وهو أن الأئمة قد يشتركون في أصل العمل بقاعدة شرعية ويتفاوتون في مستوى حضورها، ككثافة حضور الذرائع في فقه مالك وكثافة حضور قول الصحابي في مدرسة الحديث وكثافة حضور القياس في مدرسة العراق ونحو ذلك، وإن كان أصل هذه كلها حاضرة عند مخالفهم.

حسناً .. هذه هي الحال التي يريدها الله منا في الصلاة: أن نكون في سكون فلا تطوف أطرافنا وتتحرك ونعبث، وأن نخفض رؤوسنا ونطرق متذللين لمن نقف بين يديه.. وهذان الوصفان هما من أجل معاني الخشوع الذي عظّمه القرآن وربط الفلاح به.. والحقيقة أن هذين الوصفين (السكون) و (الإطراق) كليهما جاء النص عليهما في الصلاة في الصحيحين..

فأما السكون ففي صحيح مسلم عن جابر بن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (اسكنوا في الصلاة)[مسلم:430].

وأما الإطراق والتذلل بخفض الرأس وإنزال العينين في الصلاة ففي صحيح البخاري عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (“ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم؟!” فاشتد قوله في ذلك، حتى قال: “لينتهُن عن ذلك أو لتخطفن أبصارهم”)[البخاري:750].

وكثير من الناس إذا سمع السكينة والخشوع في الصلاة لا يقع في خاطره إلا تخيل الخشوع في القيام والتقيد بعدم الحركة .. ويغفل عن لحظات من أكثر هيئات الخشوع بهاء وجلالاً.. وهي التي تنفح هالة الإيمان حول المصلي .. وفيها من ذوق الأدب أمام الله ما تتطامن له القلوب .. وهي “لحظات الانتقالات بين الأركان” رفعاً وخفضاً بتمهّل وتؤدة ووقار.. فما أكثر ما ترى مصلياً يهجم مبعثرة أطرافه إلى السجود .. كأنما يرتمي منهكاً .. ويتقافز قائماً كأنما هو محلول من عقال .. ويركع كجارح يخطف طعامه مستوفزاً عجلان ..

ومما يغفل عنه كثير من المصلين من هيئات الخشوع والسكينة لحظات “رفع اليدين بالتكبير وإنزالهما” .. فتراه يستعجل ولا يتئد في رفع يديه بالتكبير وخفضهما .. ويلقيهما شعثاً مجنحات بنزق .. ولا يتحرى بهما بلوغ أذنيه أو منكبيه .. ولا يعود بهما برفق إلى صدره.. والذي عظّم الصلاة أن لسكينة التكبير فخامة تلتقط الأنفاس.. ولعلك تتذكر كيف وصف البزار صلاة ابن تيمية حين قال “وكان إذا أحرم بالصلاة تكاد تنخلع القلوب لهيبة إتيانه بتكبيرة الإحرام”..

وهذه الحالة المتسرعة المنصلتة في انتقالات الصلاة ورفع اليدين بالتكبير شبّهها النبي صلى الله عليه وسلم تشبيهاً تخجل منه صلواتنا التي يسابق المرء فيها نفسه .. بل الحقيقة أنه تشبيه مروّع مخيف .. لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعلها أحد مكونات “صلاة المنافق”..

كم هي نتيجة مخيّبة أن يكتشف المرء نفسه يصلي منذ سنين صلاة تشبه صلاة المنافق؟! وهي “صلاة النقر”.. ففي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (تلك صلاة المنافق، يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان، قام فنقرها أربعاً، لا يذكر الله فيها إلا قليلا)[مسلم:622].

هل تصدّق أنني من شدة الحرج اكتشفت أنني أغالط نفسي بلا شعور .. وأقول في داخلي لعل النبي -صلى الله عليه وسلم- علّق وصف النفاق هنا على تأخير الصلاة لآخر وقتها.. كنت كأنني استعجل وأنا أقر قوله “فنقرها أربعاً” .. كأنني أتهرب من مواجهة الحقيقة.. ثم وجدت ابن تيمية يقرصني ويقول (فبيّن النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذا الحديث أن صلاة المنافق تشتمل على: التأخير عن الوقت الذي يؤمر بفعلها فيه، وعلى النقر الذي لا يذكر الله فيه إلا قليلا)[الفتاوى:15/235].

وأنا أقرأ هذا الحديث وشرحه لابن تيمية تذكرت صلواتي .. فتذكرت فوراً عبارة الفضيل بن عياض وهو يتضرع لله ويبكي ويقول مناجياً ربه (واسوأتاه والله منك وإن عفوت)[شعب الإيمان للبيهقي:3897].

إي والله يا أبا علي .. واخجلتاه من ربنا وإن عفا عنا .. وأي عمود للإسلام سنقدم به عليه؟! .. وماذا يغني الرواق والأطناب إذا كان “العمود” منخوراً من الداخل..

وقد قمت مرةً وجردت أحاديث الصلاة في صحيحي البخاري ومسلم، وكنت أتأمل المعاني المسلكية وراء هذه الأحكام الفروعية، وهي تبلغ زهاء ثمانمائة حديث، وكم أبهرتني النتيجة إذ وجدت أن كثيراً من هذه الأحكام الفروعية التي تضمنتها الأحاديث النبوية تسير بك رويداً حتى توقفك عند عتبات الخشوع وإطراقة السكينة..

وسأستعرض بعض النماذج:

فأول أمر هو في طريقة إنشاء وتصميم المسجد الذي سيصلى فيه من الأساس.. فبرغم أن التزيين والتجميل فرع عن الاهتمام والتعظيم في الأصل .. إلا أن الشارع نهى عن زخرفة المساجد لأنها تشغل المصلين والخشوع أهم وأولى .. وقد بوب البخاري في صحيحه فقال (باب بنيان المسجد: وأمر عمر ببناء المسجد وقال “وإياك أن تحمّر أو تصفّر فتفتن الناس” وقال ابن عباس “لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى).. ثم روى حديث ابن عمر [ح:446] الذي يدل على تواضع بناء مسجد رسول الله وهدوء مكوناته الإنشائية بما يبعث الوئام والسكينة للمصلي..

ويكفي في هذا كله حديثي إرجاع خميصة أبي جهم وإماطة قرام عائشة.. وهما مجرد أقمشة.. فكيف بأنواع الطلاء والزخارف والنقوش الصارخة التي ابتليت بها مساجد المسلمين اليوم.. كأنما تتحدى المصلي بالتفنن في إغرائه وإرغامه على الإذعان لزينتها.. هل باني المسجد يريد أن يوصل رسالة للمصلين أنه بنى المسجد من ملاءة لا من كفاف.. أم هو يتقرب لله على سنة نبيه؟

ثم إذا قام المسجد على الوصف النبوي المتواضع.. وصدح المؤذن وهم المصلي بالذهاب، ولكن سفرة الطعام قد انبعثت رائحتها الزكية فانشغل القلب المتضور فقد أوصاه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يجلس ويكمل طعامه حتى يفرغ باله ثم يقوم للصلاة منصباً تفكيره على صلاته بخشوع.. ففي الصحيحين قال صلى الله عليه وسلم (إذا قُرِّب العشاء، وحضرت الصلاة، فابدءوا به قبل أن تصلوا صلاة المغرب، ولا تعجلوا عن عشائكم) [ البخاري (672)، مسلم (557)].

وفي صحيح مسلم (إذا وضع عشاء أحدكم وأقيمت الصلاة، فابدءوا بالعشاء، ولا يعجلن حتى يفرغ منه)[مسلم:559].

وهكذا في كل المشغلات وجّهنا النبي صلى الله عليه وسلم للتخلص منها قبل أن نمضي للصلاة حتى لا يخدش مقصود الصلاة الأعظم وهو الخشوع .. ومن ذلك ما في صحيح مسلم (لا صلاة بحضرة الطعام، ولا هو يدافعه الأخبثان)[مسلم:560].

فإذا تخلص المؤمن من هذه المشغلات التي تقطع صفاء تفكيره في الصلاة وهم بالمضي للمسجد المتواضع الهادئ فقد نبّهه رسول الله صلى الله عليه وسلم على نمط المشي وطريقة مد الخطى كل ذلك تحصيلاً للسكون حتى في طريق المشي للصلاة ذاتها! ففي الصحيحين قال صلى الله عليه وسلم (إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون، وأتوها تمشون وعليكم السكينة)[ البخاري (908)، مسلم (602).]..

بل نص رسول الله صلى الله عليه وسلم على الاحتشام بعباءة الوقار أثناء المشي للصلاة فقال صلى الله عليه وسلم (إذا سمعتم الإقامة، فامشوا إلى الصلاة وعليكم بالسكينة والوقار)[ البخاري (636)، مسلم (602)]..

والحقيقة أن التحليل الذهني الصرف قد يرى أن الاستعجال في المشي للصلاة يظهر منه معنى المسارعة للخيرات .. ولكني النبي صلى الله عليه وسلم نبّه لخلاف ذلك.. فالاستعجال في المشي للصلاة تثور معه الأصوات وتتشوش معه السكينة .. سواء سكينة الماشي للصلاة أو سكينة المأمومين بسبب ضجيج الأصوات خلفهم .. ولذلك ففي صحيح مسلم عن أبي قتادة (بينما نحن نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسمع جلبة، فقال: “ما شأنكم؟” قالوا استعجلنا إلى الصلاة، قال “فلا تفعلوا، إذا أتيتم الصلاة فعليكم السكينة”)[مسلم:603]..

فإذا كان كل هذا الاهتمام بالسكينة في “المشي” للصلاة فكيف في “الصلاة” ذاتها؟!

وحين يتقدم المؤمن للمسجد قبل الإقامة فيتنفل ويدعو ويتلو شيئاً من القرآن .. ثم يدوي صوت المؤذن بالإقامة.. فإن بعض الناس يختلج بحركات مفاجئة بلا تؤدة .. وقد نبّهنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى في هذا الموضع وهو مجرد قيام من الصف للصلاة أن نقوم بسكينة.. ففي البخاري (إذا أقيمت الصلاة، فلا تقوموا حتى تروني وعليكم بالسكينة)[البخاري:638]..

ثم قبل أن يكبر المصلي إماماً أو منفرداً فقد ندبه النبي صلى الله عليه وسلم لوضع سترة تحجز نظر المصلي لتحفظ عليه خشوعه وترد بصره لئلا يتفلت في الوسط المحيط .. فإن النفوس إذا لم توضع لها حدود استرسلت وصارت كل خطوة من التفسح البصري ترقق ما بعدها .. وحاجة النفوس للحدود عام في الطعام والسماع والكلام والنظر ونحوها من موارد الحس..

وقد صلى النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى الجدار والراحلة ومؤخرة الرحل والحربة والعنزة وكل ذلك في الصحيحين، ولذلك صار الصحابة شديدي الحرص على السترة .. وفي البخاري عن أنس بن مالك قال (لقد رأيت كبار أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- يبتدرون السواري عند المغرب)[البخاري (503)،مسلم (837)].

وغلّظ النبي -صلى الله عليه وسلم- تغليظاً شديداً في المرور بين المصلي وسترته لأن المارّ يثير طين الدنيا بعد أن صفى ماء المناجاة .. ولذلك ففي الصحيحين قال صلى الله عليه وسلم (لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه، لكان أن يقف أربعين خيرا له، من أن يمر بين يديه)[البخاري (510)، مسلم (507)]..

بل أمر النبي بما هو فوق ذلك كله كما في الصحيحين أنه قال (إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه، فليدفع في نحره فإن أبى فليقاتله، فإنما هو شيطان)[البخاري (509) ، مسلم (505)]..

فتمعن بالله عليك في عظمة أحكام “سترة المصلي” وما جاء فيها من الأحاديث في الصحيحين .. ثم استحضر أن كل هذه الأحكام النبوية رعاية لجناب “الخشوع” .. وحفظاً لمقام السكينة والإخبات في الصلاة .. ورداً لتفلت البصر..

فإذا انتهى المؤمنون من بناء مسجدهم الهادئ في تصميمه .. وفرغوا من المشغلات من الطعام وحاجات الخلاء .. ومشوا للصلاة بسكينة.. وسمعوا الإقامة فقاموا للصف بسكينة أيضاً .. ثم كبروا بين يدي الله .. فإن بقاء يدي المصلي بعد التكبير مرسلتين حرّتين تهيجهما للحركة والتجول بين أعضاء الجسم .. فشرع النبي تقييدهما ببعضهما على الصدر .. ووظيفة هذا تحصيل الخشوع واعتقال بواعث العبث .. كما في حديث وائل بن حجر في صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم (ثم وضع يده اليمنى على اليسرى)[مسلم:401]..

وهذا الفهم لحكمة “وضع اليدين على الصدر” شائع بين العلماء قال النووي (قال العلماء والحكمة في وضع إحداهما على الأخرى أنه أقرب إلى الخشوع ومنعهما من العبث)[شرح النووي على مسلم، دار القلم:4/358]..

ثم تمعّن أيضاً كيف نهى عن ضم الثياب والشعر في الصلاة لما في تركهما من كمال الأدب والإخبات بسجود الشعر، وفي كفهما انشغال، ففي الصحيحين (ولا أكف ثوباً ولا شعراً)[البخاري (816)،مسلم (490)]..

ولذلك شبّه النبي صلى الله عليه وسلم من يصلي معقوص الشعر بأنه مثل مكتوف اليدين، أي أنه لا تمس يده الأرض، كما في صحيح مسلم قال صلى الله عليه وسلم (إنما مثل هذا، مثل الذي يصلي وهو مكتوف)[مسلم:492] ، وقد قال ابن تيمية (والمعقوص لا يسجد شعره)[الفتاوى:22/450] ، وهو مأثور عن ابن مسعود، والمعقوص والمكتوف كلاهما مشدودان للخلف.

ثم تدبّر كيف نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تسوية محل السجود إلا بأقل حركة، ففي الصحيحين عن معيقيب (أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال في الرجل يسوي التراب حيث يسجد ” إن كنت لا بد فاعلا فواحدة “)[البخاري(1207) مسلم (546)].

ثم تبصّر في سنة الإبراد المذكورة في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة)[البخاري (536)، مسلم (615)]..

كل ذلك دفعاً لتأذي الجسد بآثار حرارة الطقس، ليكون أجمع للقلب فلا يتشتت، فانظر كيف أثّر طلب “الخشوع” في تغيير وقت الفضيلة في الصلاة!.

وبرغم أن الأصل أن يكون السجود على الأرض، ولا يسجد المصلي على حائل متصل به، لكن مع الحر شرع الشارع السجود على “الثوب” ففي الصحيحين عن أنس (كنا نصلي مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في شدة الحر، فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض، بسط ثوبه، فسجد عليه)[البخاري(1208)مسلم(620)].

وقال ابن حجر منبّها على خلفيات هذا الحكم (وفيه مراعاة الخشوع في الصلاة لأن الظاهر أن صنيعهم ذلك لإزالة التشويش العارض من حرارة الأرض)[فتح الباري، دار الريان:1/588]..

ولأن جوهر “الخشوع” الذي تدور حوله أحكام الصلاة هو أن يعقل الإنسان صلاته ومعانيها ومعاني أذكارها، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل للناعس اذهب وجدد بالماء نشاطك، بل قال له “اذهب ونم”! فنهى الناعس عن مواصلة الصلاة لفوات المقصود الأصل وهو عقل المعاني، ففي البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (إذا نعس أحدكم في الصلاة فلينم، حتى يعلم ما يقرأ)[البخاري:213]..

ولأن المساجد قد تغشاها النساء أحياناً للصلاة فقد شرع النبي صلى الله عليه وسلم لهن أحكاماً تنتهي كالعادة بالمطلوب الأجل وهو منع كل ما يشوش “الخشوع” .. فندب لمباعدة المسافة بين مواضع صلاة كل جنس منهما .. فجعل الصف الأول للنساء شر الصفوف! بينما الصف الأول للرجال خير الصفوف .. فصارت فضيلة الصف لها نوع ارتباط بكمية المسافة بين الجنسين في المسجد ..كما قال (خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها)[مسلم:440]..

ونهى النبي -صلى الله عليه وسلم- المرأة أن تخطو للمسجد وقد تبللت بعطوراتها فقال (إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمس طيباً)[صحيح مسلم:443].. بل أمرها بتجنب العطر ليلتها تلك فقال (إذا شهدت إحداكن العشاء فلا تطيب تلك الليلة)[المصدر السابق] .. فإن فعلت وتعطّرت منعها النبي من شهود الصلاة (أيما امرأة أصابت بخورا فلا تشهد معنا العشاء الآخرة)[المصدر السابق].

فإذا تأملت مباعدة صفوف الجنسين ومنع النساء العطور في المسجد لم يخطئ شعورك بكمال اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بحفظ جناب الخشوع من أن يتشوش بتنمّل الدواعي الغريزية ..

أرأيت .. كادت كل دروب أحاديث الصلاة أن تنتهي بنا إلى بيت الخشوع ..

ومازال في مفكرتي تأملات أخرى دونتها أثناء تأملي لأحاديث الصلاة في صحيحي البخاري ومسلم .. ولكني أشعر أنه من غير المناسب مواصلة العرض .. فالمقصود ذكر بعض النماذج التمثيلية الدالّة .. وليس المراد الاستقصاء والاستيعاب ..

فبالله عليك أي دلالة على منزلة الخشوع والسكون والإطراق والتؤدة والتمهل في الصلاة أعظم من هذه الدلالات .. ليست القضية آية أو حديث يأمر بالخشوع .. بل هناك “منظومة أحكام” كلها تأخذ بيدك إلى أن تتنفس أثير الخشوع ..

والمعنى الشرعي الذي تتواطأ عليه نصوص كثيرة أجل وأعظم منزلة من المعنى الشرعي الذي يأتي بتقريره نص أو نصان حتى لو كانا صريحين مباشرين.. ولذلك كان التواتر المعنوي أعظم دلالة من التواتر اللفظي وإن توهم أكثر الناس خلاف ذلك .. لأن التواتر اللفظي المجرد قوته في الثبوت فقط، وأما التواتر المعنوي فقوته في الثبوت والدلالة كليهما، فليس المعنى الذي كرره الشارع بصيغ متنوعة كالمعنى الذي ذكره مرةً أو مرتين، ففيه قدر زائد على مجرد اليقين الثبوتي وهو “تعدد التاكيد” من الشارع..

فإذا كان الشارع يسترسل بإصدار الأحكام الفروعية طلباً لتحصيل الخشوع.. ثم مازال الخشوع ليس له حضور في اهتماماتنا يوازي اهتمام رسول الله .. فأين سنذهب بوجوهنا من الله غداً؟

وما أكثر ما تساءلت كيف يقع المرء في صلاته في أحبولة الاستلهاء والتخيلات والهواجس وهو مؤمن بأن هذه كلها من مؤامرات الشيطان التي كشفها لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم .. فهذه الذكريات والسرحان وحديث النفس الذي يهجم على المرء بمجرد تكبيرة الإحرام نحن نعرف مصدره جيداً .. ومع ذلك مازلنا ضحيته ..
فأما مصدره فقد نبّهنا النبي -صلى الله عليه وسلم- ما الذي يحدث بعد انتهاء التثويب أي إقامة الصلاة فقال صلى الله عليه وسلم (حتى إذا قُضِي التثويب، أقبل الشيطان حتى يخطر بين المرء ونفسه، يقول له: اذكر كذا، اذكر كذا.. لما لم يكن يذكر من قبل، حتى يظل الرجل ما يدري كم صلى)[البخاري (608)مسلم(389)].
وفي رواية (فهنّاه ومنّاه، وذكره من حاجاته ما لم يكن يذكر)[مسلم:389]..

فبالله عليك .. هل يختلف المشهد في صلاتنا عما ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!
فتأمل قوله “اذكر كذا .. اذكر كذا..” وكيف تتزاحم فعلاً أحاديث النفس في الصلاة ترتطم موضوعاتها ببعضها وتفتح الملفات واحداً تلو الآخر، ويسلمك السابق للاحق، حتى تصبح حركتك في الصلاة انتقالات آلية لا يعقل المصلي معناها..

وتأمل قوله “لِما لم يكن يذكر من قبل” ألست تجد هذا فعلاً؟! فإذا كبّرت للصلاة أثيرت أمامك الموضوعات المنسية؟!

وتأمّل قوله “فهنّاه ومنّاه” أي هيّج عليه المطامع والأماني .. وكم أجرى المصلي من توقّعات مالية!

هذا هو المشهد الذي كشفه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم .. وهذه هي السيناريوهات بعينها التي يستعملها الشيطان فور تكبيرة الإحرام .. كيف نعرف موضع الفخ جيداً ثم نسمي بالله ونضع ساقنا فيه كل مرة؟!

وكم تساءلت ما أكثر أن تندلق “أذكار الصلاة” على ألسنتنا لا نعقل من معانيها شيئاً .. أصبحنا في صلاتنا كأننا أجهزة آلية تنطق نصوصاً مخزّنة مسبقاً .. وهل تعقل الآلة من ذاكرتها شيئاً؟! .. فيفوت علينا من عيش أجر الألفاظ الصلوية في الآخرة بقدر ما فات من عيش معانيها في الدنيا.. تأمل بعض فضائل الألفاظ الصلوية:

الله جل جلاله يجيب عبده إذا قرأ الفاتحة فيقول له”حمدني عبدي.. أثنى علي عبدي.. مجدني عبدي.. إلخ”[مسلم:395]..

ثم إذا أمّن الإمام أكرمنا الله بهذا الفضل (إذا أمن الإمام فأمِّنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه)[البخاري:780]..

ثم إذا جاء موضع التحميد بعد الركوع فتح الله لنا هذا الطريق للثواب كما في البخاري:
(كنا يوما نصلي وراء النبي -صلى الله عليه وسلم- فلما رفع رأسه من الركعة قال: “سمع الله لمن حمده “، قال رجل وراءه: ربنا ولك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، فلما انصرف النبي قال “من المتكلم؟!”، قال الرجل: أنا، قال النبي “رأيت بضعة وثلاثين ملكا يبتدرونها أيهم يكتبها أول”)[البخاري(799) مسلم(600)]..

فإذا بلغ المصلّي موضع “التحيات” أرشده النبي لقول “السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين” وذكر النبي صلى الله عليه وسلم من فضلها (فإنكم إذا قلتموها أصابت كل عبد لله صالح في السماء والأرض)[ صحيح البخاري (831)، (صحيح مسلم (402)]..

هذه بعض فضائل الألفاظ الصلوية .. فانظر إلى عظمة هذه الألفاظ .. ولنبكِ على ما فاتنا من أجورها بقدر ما فات من تدبرها وعقل معناها أثناء الصلاة ..

ويظهر لي أن جذر الخشوع مرتبط بقضية اعتقادية .. وهي درجة العبد من منزلة الإحسان.. التي هي فوق الإسلام والإيمان.. والإحسان “أن تعبد الله كأنك تراه”.. وهذا الاعتقاد واستحضاره درجات متفاوتة لا ينضبط طرفاها.. فكلما صعد العبد في مرقاة الإحسان أومضت في قلبه نوافذ الخشوع.. ولذلك قال النووي عن قول النبي صلى الله عليه وسلم “الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه”:
(لو قدرنا أن أحدنا قام في عبادة وهو يعاين ربه سبحانه وتعالى؛ لم يترك شيئاً مما يقدر عليه من الخضوع والخشوع وحسن السمت واجتماعه بظاهره وباطنه على الاعتناء بتتميمها على أحسن وجوهها إلا أتى به..، وقد ندب أهل الحقائق إلى مجالسة الصالحين ليكون ذلك مانعاً من تلبسه بشيء من النقائص، احتراماً لهم واستحياءً منهم، فكيف بمن لا يزال الله تعالى مطلعاً عليه في سره وعلانيته؟!)[شرح النووي على مسلم، دار القلم:1/272]..

ولفت انتباهي في كتب علم السلوك أن العلماء حين يحاولون إحياء الخشوع في نفس القارئ وتذكيره بمنزلته أنهم يستخدمون المقارنة بين “الوقوف أمام ملوك الأرض والوقوف أمام ملك الملوك سبحانه” .. ثم يأخذون في العتاب والتوبيخ: كيف يسكن المرء ويتأدب ويستجمع تفكيره أمام ملوك الأرض ويعبث غافلاً أمام ملك الملوك سبحانه وتعالى ..وسأعرض نموذجاً لهذه المقارنة المقصودة..

فمثلاً يقول أبو حامد الغزالي (فإن أضعافه مشاهد في همم أهل الدنيا، وخوف ملوك الدنيا مع عجزهم وضعفهم وخساسة الحظوظ الحاصلة منهم، حتى يدخل الواحد على ملك أو وزير، ويحدثه بمهمته، ثم يخرج، ولو سئل عمن حواليه، أو عن ثوب الملك لكان لا يقدر على الإخبار عنه لاشتغال همه به عن ثوبه وعن الحاضرين حواليه، فحظ كل واحد من صلاته بقدر خوفه وخشوعه وتعظيمه)[ إحياء علوم الدين، دار الخير:1/217]..

ويكرر أبو حامد هذه المقارنة في موضع آخر فيقول (وكل من يطمئن بين يدي غير الله عز وجل خاشعا وتضطرب أطرافه بين يدي الله عابثا فذلك لقصور معرفته عن جلال الله)[السابق:1/224]..

ويستعمل ابن القيم ذات هذا الأسلوب في المقارنة بين الوقوفين لكن بصيغة أخرى فيقول:
(ومَثَل من يلتفت في صلاته ببصره أو بقلبه؛ مثل رجلٍ قد استدعاه السلطان فأوقفه بين يديه وأقبل يناديه ويخاطبه، وهو في خلال ذلك يلتفت عن السلطان يميناً وشمالاً، وقد انصرف قلبه عن السلطان فلا يفهم ما يخاطبه به، لأن قلبه ليس حاضراً معه، فما ظن هذا الرجل أن يفعل به السلطان؟ أفليس أقل المراتب في حقه أن ينصرف من بين يديه ممقوتاً مبعداً قد سقط من عينيه؟! فهذا المصلي لا يستوي والحاضر القلب المقبل على الله في صلاته، الذي قد أشعر قلبه عظمة من هو واقف بين يديه فامتلأ قلبه من هيبته، وذلت عنقه له، واستحيا من ربه أن يقبل على غيره أو يلتفت عنه)[الوابل الصيب، نشرة المجمع:44]..

وهذا الأسلوب شائع في كتب علم السلوك الإسلامي .. وكنت سابقاً أظنه من ابتكار عمالقة هذا الفن لتقريب المعنى الإيماني للخشوع .. ثم تعجبت حين اتضح لي أن هذا الأسلوب استعمله قبل هؤلاء كلهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حيث قرّب المعنى للصحابة بالمقارنة في الأدب في القيام بين يدي المخلوق والقيام بين يدي الخالق كما في صحيح مسلم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال (ما بال أحدكم يقوم مستقبل ربه فيتنخع أمامه، أيحب أحدكم أن يُستقبَل فيُتنخَّع في وجهه؟!)[مسلم:550]..

ولهذا نظائر كثيرة في السنة في غير موضوع الأدب في الصلاة، ومنها مقارنة النبي صلى الله عليه وسلم بين حرص الناس على الأجر الدنيوي وحرصهم على الأجر الأخروي! كما قال صلى الله عليه وسلم في المتخلفين عن صلاة الجماعة (ولو علم أحدهم أنه يجد عظماً سميناً لشهدها، يعني صلاة العشاء)[مسلم:651]

وقال عن التلاوة في الصلاة (“أيحب أحدكم إذا رجع إلى أهله أن يجد فيه ثلاث خلفات عظام سمان؟” قلنا نعم، قال “فثلاث آيات يقرأ بهن أحدكم في صلاته، خير له من ثلاث خلفات عظام سمان”)[مسلم:802]..

ونظائر هذا كثير .. والمراد أن تلك المقارنات القياسية البديعة المشار لها التي يصوغها أمثال أبي حامد الغزالي وأبو الفرج ابن الجوزي وابن القيم وأضرابهم أن أصلها مستقى من رسول الله صلى الله عليه وسلم.. لكن استفاض أهل العلم في التنويع عليها وتطبيقها في مشاهد جديدة.. 

ضع في ذهنك مجدداً الحديث السابق في صحيح مسلم (ما بال أحدكم يقوم مستقبل ربه فيتنخع أمامه، أيحب أحدكم أن يُستقبَل فيُتنخَّع في وجهه؟!) .. ثم تلثّم وخذ جولة في سوء الأدب الذي يقع فيه بعض المصلين بين يدي الله .. فكم فينا من يقوم بسلوكيات يتمزق خجلاً لو رآه يصنعها ذوو الجاه من الخلق .. وهو يفعلها بين يدي رب الخلق سبحانه .. فكم فينا من يعارك أنفه ينظفه في الصلاة .. وبعضهم يكثر من حك ما يستحيا من حكّه.. وآخر يرفع سرواله في الصلاة بطريقة غير مؤدبة يرسل مطاطه يستحلي فرقعة صوته.. وسلوكيات كثيرة يجمعها “قلة التهذيب”.. تزكم الأنوف.. ويخجل المرء أن يفعلها أمام المعظّمين من الخلق .. وهو يفعلها أمام العظيم سبحانه..

اللهم اغفر لي تقصيري في صلاتي.. واغفر لإخواني المسلمين ممن قصّر في صلاته.. وارزقنا قلباً خاشعاً يارب العالمين.. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ}[الحديد:16]

والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
أبو عمر
سادس رجب 1435هـ

إقرأ المزيد

الشذوذ الجنسى – حرب المصطلحات | د.بندر الشويقي | فيديو

عدد القراءات : 420

إقرأ المزيد
الصفحة 1 من 60112345102030...« الأخيرة
content top